وشرح ذلك أن الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه كعمار بن ياسر، وبلال، وصهيب، وسلمان، وخباب ونحوهم، أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بتقريبهم ومخالفة الكفار في طردهم وإبعادهم، فلما فعل ذلك، قال الكفار: لو كان الإسلام منّة ونعمة لما اختص بها هؤلاء دوننا، فكان ذلك الأمر سببا لهذا الاستدلال الفاسد الموجب لفتنتهم والامتناع من الإسلام، ولو أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بإبعاد المذكورين، وتقريب الكفار، لكان أشرح لصدورهم وأرغب لهم في الإسلام، ويشهد لهذا قوله/ [164/ل] - عز وجل - {لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ} (53) [الحج: 53] وفي الايتين دليل على أن أفعال الله - عز وجل - وأحكامه معللة بالحكم والمقاصد، إذ علل فتن الكفار بقولهم أهؤلاء من الله عليهم؟ وعلل إلقاء الشيطان في أمنية النبي - عليه السّلام - بفتنة المرضى القلوب.
{وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (54) [الأنعام: 54] يحتج به على لزوم قبول التوبة لأن الله - عز وجل - أخبر بقبولها بقوله: {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (54) [الأنعام: 54] إذ هو مرادف لقوله: «ثم من تاب قبلت توبته» ، وكل ما أخبر الله - عز وجل - به فهو واقع لا محالة.
ثم المعتزلة يجعلون قبولها واجبا عليه، والجمهور واجبا منه.
لذلك؛ فمنه: {وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها} [الأنعام: 59] إلى آخر الآية من الغيوب الكلية والجزئية.
واختلف في المقتضي لعموم علمه؛ فقالت المعتزلة: هو ذاته لا لصفة زائدة، وقال الجمهور: هو العلم، وهو صفة قائمة بذاته زائدة على مفهومها، وقد سبق ذلك.