وقال: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا(60) ، وقال إخبارا عنه أيضا: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ)
ونسبه في هذه الآية التي ذكرناها من سورة الأنعام ، وفي غيرها إليهم
فليس يخلو من أن يكون كل قادرا على ما نسب إليه ، وفاعلا لما أخبر عنه أو يكون بعضهم لبعض تبعا فيه فاعلا بقوة غيره ، فليختر أي الوجهة شاء ، إذ لا ثالث لهما.
فإن كان كل مضلا ، كما أخبر عنه ظاهر القول ، فقد أقر بأن الله مضل بعد ما أنكره.
وإن زعم: أن معه من يفعل مثل فعله في الإضلال ، فإن اختار أن يكون بعضهم لبعض تبعا ، وبقوة صاحبه فاعلا فليس يقدر أن يقول: إن الله - جل وعلا - تبع للشيطان ، والآدمي فيه ، وفاعل بقوتهما. فيحصل عليه أنهما لله تبع ، وبقوته يضلان. وعجزهما عن الإضلال بقوة أنفسهما غير مؤثر في عبوديتهما.
ونسبة الله إلى العجز في الإضلال إلا بقوتهما كفر لا محالة.
وهكذا قوله: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) ، وقوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) هو بمشيئة الله لا محالة لقوله: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)
، (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا)
(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) .
ومشيئتهم تبع لمشيئته ، إذ هم عبيد ، ومحال أن تكون مشيئته تبعا لمشيئتهم وهو معبود. وكلا المشيئتين في القرآن ، فمن رد مشيئته وثبت مشيئتهم كفر به وبما أنزل ، ومن ثبتهما آمن بجميع ما أنزل وجعل الضعيف من مشيئة المخلوق تبعاً لمشيئة الخالق القوي فمن أراد الحق وأضرب عن الهوى لم يشكل هذا عليه ، ومن تبع هواه وقاد من الرياسة ما أوتيه وأنف من الرجوع إلى الحق ، فقد قال - تبارك وتعالى: (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)