فإن قالوا: بلى ، رجعوا عن قولهم وعادوا في إغراء الشيطان من الشر ، وإن قالوا: لم يقدروا على ترك القبول منه. رجعوا فيما يلزمهم من باب العقوبة.
ويقال لهم: أخبرونا عن هذا الشيطان الذي تنسبون إليه الشر أيخلو من أن يكون الله - جل وتعالى - خلقه وجعل الشر سجيته ، وسلطه على من قضى عليه الشقاوة ، أو خلقه نقيا من الشر فتشرر.
فإن قالوا: خلقه شريرا مسلطا ، أقروا بكل ما أنكروه ، وإن قالوا: خلقه نقيا من الشر فأحدث الشر وتشعر به قيل لهم: أفإحداثه للشر بآلة جعلت فيه أم بغير آلة ، فإن قالوا: بغير آلة ، جعلوه شريكا مع الله - تعالى الله - يخلق كخلقه مبتدئا بما يريد.
وإن قالوا: بل إحداثه بآلة مجهولة فيه له. قيل لهم: ولولا الآلة ما قدر على إحداثه ، فإن قالوا: نعم ، ولابد من نعم ، قيل لهم: وكيف
تنسبون إليه شيئا فعله بآلة مجهولة فيه لا بقدرة وسلطان ،
ولو قالوا: إن الله - تبارك وتعالى - قضى الخير والشر معا ، وجعل
أوفر الحظ من الشر للشيطان يغوي به من حقت عليه كلمته بإذن الله: خرج كلامهم صحيحا ، وتخلصوا من الدواخيل والتأويلات المستكرهة ، لأن السلطان والإرادة والخلق كأن يكون مسلما لله والشيطان في البين واسطته يسلطه على من أراد تضليله بعدله ، معصوما منه من أراد هدايته بفضله.
وبعد فلو كان الشيطان متسلطا بغير آلة غير مسلط بقضاء - ومعاذ الله
أن يكون كذلك - لكان علمه به قبل خلقه أنه سيتسلط ويغوي ، فخلقه على ذلك لا ينجيهم من كسر قولهم ، فكيف وهو يقوله في كتابه: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا(64 ) )