قوله عز وجل: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} أي: ومن الذين قالوا إنا نصارى قوم أخذنا ميثاقهم، فحُذِفَ الموصوف.
وعن الكسائي: مَن أخذنا ميثاقهم، فحُذف (مَن) .
وقيل: (مِن) صلة على مذهب أبي الحسن.
وقيل: (مِن) متعلقة بقوله: {أَخَذْنَا} ، أي: وأخذنا مِن الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم.
وهذه الجملة عطف على قوله: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} .
قيل: وإنما قيل: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} ، ولم يقل: ومن النصارى؛ لأنهم ابتدعوا النصرانية وسموا أنفسهم بها ادعاء لنصرة الله، وهم الذين قالوا لعيسى عليه السلام: {نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} على ما فسر.
فإن قلتَ: هل يجوز تقديم قوله: {أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} على قوله: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} ؟. قلت: لا، لأجل أن فيه إضمارًا قبل الذكر لفظًا وتقديرًا.
قال أبو الحسن: هذا كما تقول: مِن زيدٍ أخذتُ دِرهمه، ولا يجوز أخذت درهمه من زيد.
وقوله: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} (فأغرينا) عطف على قوله: {فَنَسُوا} ، أي: فألصقنا وألزمنا، من غَرِيَ بالشيء، إذا لزمه ولصق به وأغراه غيره، ومنه الغِراء الذي يُلْصَقُ به الشيء يكون من السَّمَكِ، إذا كَسَرْتَ الغين مَدَدْتَ، وإذا فتحتَ قَصَرْتَ، تقول منه:
غَرَوْتُ الجلد، إذا ألصقته بالغِراء، وقوس مَغْرُوَّةٌ، والياء في أغرينا من واو لما ذكرت آنفًا.
وقوله: {بَيْنَهُمُ} يحتمل أن يكون ظرفًا لقوله: {فَأَغْرَيْنَا} ، وأن يكون حالًا من العداوة، ولا يجوز أن يكون ظرفًا للعداوة؛ لأن العداوة مصدر كالمعاداة، يقال: عَدُوٌّ بَيِّنُ العداوة والمعاداة، ومعمول المصدر لا يتقدم عليه.
والضمير في {بَيْنَهُمُ} قيل: لليهود والنصارى، وقيل لِفِرَقِ النصارى المختلفين.