قوله تعالى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(118)
«إن قيل» : كيف قال: (عِبَادُكَ) والعبد أكثر ما يقال فيمن عبد لا فيمن ملك، وهم لم يعبدوا الله في الحقيقة، أو قد عبدوا عيسى وأمه؟
قيل: بل العباد يستعمل مع الله فيقال الناس عباد الله، ولا يقال عباد الأمير إلا على التشبيه، والعبيد يقال في الله، وفي غيره، ثم الناس كلهم يعبدون الله تسخيراً وقهراً، وإن لم يعبدوه طوعاً، فإنهم إذا عبدوا غيره على أنه
المنعم عليهم فهم يعبدون الله، لأنه هو المنعم وعلى هذا: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا(93) .
وقال تعالى: (وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) .
«فإن قيل» : لو كانوا يعبدون الله بفعلهم لما داموا؟
قيل: إنما يدومون بقصدهم فيما يفعلونه، لأنهم يقصدون عبادة غير الله والإنسان مثاب ومعاقب بنيته، ولهذا قال: (إنما الأعمال بالنيات) .
[[ولما قال لا يستحق الجمادات ويستحقها ثواباً استحقاق الإنسان والملائكة والجن] ].
«إن قيل» : كيف قال: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ)
وجواب الشرط إنما يصح فيما يقع بوقوع الشرط، وقد علم أن هؤلاء عباده عذبهم أو لم يعذبهم.
قيل: هذا الكلام فيه إيجاز، وتقديره: إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك، أي من
أمرتهم بعبادتك، تنبيها أنهم لم يعبدوك فاستحقوا عقابك.
إن قيل كيف جاز أن نقول (وإن تغفر لهم) فيُعرّض بسؤاله العفو عنهم مع علمه أنه تعالى قد حكم بأنه: (مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) ؟
قيل: [[قال أبو العباس المبرد رحمه الله: إن تغفر كذبهم عليّ حيث قالوا: عيسى أمرنا بذلك (فإنهم عبادك) أي شئت لعلمك بهم] ] فالذي سأله العفو عنهم والغفران لهم فيما هو حق له.
وقيل: إن هذا السؤال إنما هو كلام على طريق إظهار قدرته تعالى على
كل ما يريده وعلى مقتضى حكمه وحكمته.