وَالثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ حَاصِلَ مَا ذَكَرْتُمْ أَنَّ اشْتِغَالَ النَّفْسِ بِطَلَبِ اللَّذَّاتِ الْحِسِّيَّةِ يَمْنَعُهَا عَنِ الِاسْتِكْمَالِ بِالسَّعَادَاتِ الْعَقْلِيَّةِ، وَهَذَا مُسَلَّمٌ لَكِنْ فِي حَقِّ النُّفُوسِ الضَّعِيفَةِ، أَمَّا النُّفُوسُ الْمُسْتَعْلِيَةُ الْكَامِلَةُ فَإِنَّهَا لَا يَكُونُ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْأَعْمَالِ الْحِسِّيَّةِ مَانِعًا لَهَا مِنَ الِاسْتِكْمَالِ بِالسَّعَادَاتِ الْعَقْلِيَّةِ، فَإِنَّا نُشَاهِدُ النُّفُوسَ قَدْ تَكُونُ ضَعِيفَةً بِحَيْثُ مَتَى اشْتَغَلَتْ بِمُهِمٍّ امْتَنَعَ عليها الاشتغال بهم آخَرَ، وَكُلَّمَا كَانَتِ النَّفْسُ أَقْوَى كَانَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ أَكْمَلَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتِ الرَّهْبَانِيَّةُ الْخَالِصَةُ دَلِيلًا عَلَى نَوْعٍ مِنَ الضَّعْفِ وَالْقُصُورِ، وَإِنَّمَا الْكَمَالُ فِي الْوَفَاءِ بِالْجِهَتَيْنِ وَالِاسْتِكْمَالِ فِي النَّاسِ.
الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنَّ مَنِ اسْتَوْفَى اللَّذَّاتِ الْحِسِّيَّةَ، كَانَ غَرَضُهُ مِنْهَا الِاسْتِعَانَةَ بِهَا عَلَى اسْتِيفَاءِ اللَّذَّاتِ الْعَقْلِيَّةِ فَإِنَّ رِيَاضَتَهُ وَمُجَاهَدَتَهُ أَتَمُّ مِنْ رِيَاضَةِ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ اللَّذَّاتِ الْحِسِّيَّةِ، لِأَنَّ صَرْفَ حِصَّةِ النَّفْسِ إِلَى جَانِبِ الطَّاعَةِ أَشَقُّ وَأَشَدُّ مِنَ الْإِعْرَاضِ عَنْ حِصَّةِ النَّفْسِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَكَانَ الْكَمَالُ فِي هَذَا أَتَمَّ.
الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ التَّامَّةَ تُوجِبُ خَرَابَ الدُّنْيَا وَانْقِطَاعَ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ.
وَأَمَّا تَرْكَ الرَّهْبَانِيَّةِ مَعَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى الْمَعْرِفَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالطَّاعَاتِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ عِمَارَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَكَانَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ أَكْمَلَ، فَهَذَا جُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْوَجْهِ.