الْقَوْلُ الثَّانِي: فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ، وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي أَوَّلِ السورة أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فَبَيَّنَ أَنَّهُ كَمَا لَا يَجُوزُ اسْتِحْلَالُ الْمُحَرَّمِ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَحْرِيمُ الْمُحَلَّلِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُحَرِّمُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّه تَعَالَى، وَهِيَ الْبَحِيرَةُ وَالسَّائِبَةُ وَالْوَصِيلَةُ وَالْحَامُ، وَقَدْ حكى اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَكَانُوا يُحَلِّلُونَ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَغَيْرَهُمَا، فَأَمَرَ اللَّه تَعَالَى أَنْ لَا يُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّه ولا يحللوا مَا أَحَلَّ اللَّه وَلَا يُحَلِّلُوا مَا حَرَّمَهُ اللَّه تعالى حتى يدخلوا تحت قوله (ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة: 1] .
(وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ(88)
لَمْ يَقُلْ تَعَالَى: كُلُوا مَا رَزَقَكُمْ، ولكن قال (كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) وَكَلِمَةُ (مِنْ) لِلتَّبْعِيضِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: اقْتَصِرُوا فِي الْأَكْلِ عَلَى الْبَعْضِ وَاصْرِفُوا الْبَقِيَّةَ إِلَى الصَّدَقَاتِ وَالْخَيْرَاتِ لِأَنَّهُ إِرْشَادٌ إِلَى تَرْكِ الْإِسْرَافِ كَمَا قال: (وَلا تُسْرِفُوا) .
* (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ تَكَفَّلَ بِرِزْقِ كُلِّ أَحَدٍ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَكَفَّلْ بِرِزْقِهِ لَمَا قَالَ (كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) وَإِذَا تَكَفَّلَ اللَّه بِرِزْقِهِ وَجَبَ أَنْ لَا يُبَالِغَ فِي الطَّلَبِ وَأَنْ يُعَوِّلَ عَلَى وَعْدِ اللَّه تَعَالَى وَإِحْسَانِهِ، فَإِنَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُخْلِفَ الْوَعْدَ، وَلِذَلِكَ
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَلَا فَاتَّقُوا اللَّه وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ»
أَمَّا قَوْلُهُ (وَاتَّقُوا اللَّهَ) فَهُوَ تَأْكِيدٌ لِلتَّوْصِيَةِ بِمَا أَمَرَ بِهِ، زَادَهُ تَوْكِيدًا بِقوله تَعَالَى: (أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِهِ يُوجِبُ التَّقْوَى فِي الِانْتِهَاءِ إِلَى مَا أَمَرَ بِهِ وَعَمَّا نَهَى عنه.