إِنَّمَا قَالَ: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) وَلَمْ يَقُلْ نِعَمَ اللَّه عَلَيْكُمْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّأَمُّلَ فِي أَعْدَادِ نِعَمِ اللَّه، بَلِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّأَمُّلُ فِي جِنْسِ نِعَمِ اللَّه لِأَنَّ هَذَا الْجِنْسَ جِنْسٌ لَا يَقْدِرُ غَيْرُ اللَّه عَلَيْهِ، فَمَنِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَاءِ نِعْمَةِ الْحَيَاةِ وَالصِّحَّةِ وَالْعَقْلِ وَالْهِدَايَةِ وَالصَّوْنِ عَنِ الْآفَاتِ وَالْإِيصَالِ إِلَى جَمِيعِ الْخَيْرَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَجِنْسُ نِعْمَةِ اللَّه جِنْسٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّه، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ) الْمُرَادُ التَّأَمُّلُ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُمْتَازٌ عَنْ نِعْمَةِ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ الِامْتِيَازُ هُوَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النِّعْمَةَ مَتَى كَانْتَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ وُجُوبُ الِاشْتِغَالِ بِشُكْرِهَا أَتَمَّ وَأَكْمَلَ.
* قَوْلُهُ (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ) مُشْعِرٌ بِسَبْقِ النِّسْيَانِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ نِسْيَانُهَا مَعَ أَنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ مُتَوَالِيَةٌ عَلَيْنَا فِي جَمِيعِ السَّاعَاتِ وَالْأَوْقَاتِ، إِلَّا أَنَّ الْجَوَابَ عَنْهُ أَنَّهَا لِكَثْرَتِهَا وَتَعَاقُبِهَا صَارَتْ كَالْأَمْرِ الْمُعْتَادِ، فَصَارَتْ غَلَبَةُ ظُهُورِهَا وَكَثْرَتِهَا سَبَبًا لِوُقُوعِهَا فِي مَحَلِّ النِّسْيَانِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: إِنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا كَانَ بَاطِنًا لِكَوْنِهِ ظَاهِرًا، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قولهم: سبحانه مَنِ احْتَجَبَ عَنِ الْعُقُولِ بِشِدَّةِ ظُهُورِهِ، وَاخْتَفَى عَنْهَا بِكَمَالِ نُورِهِ.
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ(9)
الْمَغْفِرَةُ إِسْقَاطُ السَّيِّئَاتِ كَمَا قَالَ (فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ) [الْفُرْقَانِ: 70] وَالْأَجْرُ العظيم إيصال الثَّوَابِ، وَقَوْلُهُ (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) فِيهِ وُجُوهٌ: