* قَالَ أَصْحَابُ الْآثَارِ: إِنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعَمَّرْ بَعْدَ نُزُولِهَا إِلَّا أَحَدًا وَثَمَانِينَ يَوْمًا، أَوِ اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ يَوْمًا، وَلَمْ يَحْصُلْ فِي الشَّرِيعَةِ بَعْدَهَا زِيَادَةٌ وَلَا نَسْخٌ وَلَا تَبْدِيلٌ ألْبَتَّةَ، وَكَانَ ذَلِكَ جَارِيًا مَجْرَى إِخْبَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قُرْبِ وَفَاتِهِ، وَذَلِكَ إِخْبَارٌ عَنِ الْغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا، وَمِمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى الصَّحَابَةِ فَرِحُوا جِدًّا وَأَظْهَرُوا السُّرُورَ الْعَظِيمَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَإِنَّهُ بَكَى فَسُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى قُرْبِ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الْكَمَالِ إِلَّا الزَّوَالُ،
فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى كَمَالِ عِلْمِ الصِّدِّيقِ حَيْثُ وَقَفَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى سِرٍّ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الدِّينَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِخَلْقِ اللَّه تَعَالَى وَإِيجَادِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَضَافَ إِكْمَالَ الدِّينِ إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) وَلَنْ يَكُونَ إِكْمَالُ الدِّينِ مِنْهُ إِلَّا وَأَصْلُهُ أَيْضًا مِنْهُ.
(وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)
وَمَعْنَى أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي بِإِكْمَالِ أَمْرِ الدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ كَأَنَّهُ قَالَ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) بِسَبَبِ ذَلِكَ الْإِكْمَالِ لِأَنَّهُ لَا نِعْمَةَ أَتَمُّ مِنْ نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَيْضًا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ خَالِقَ الْإِيمَانِ هُوَ اللَّه تَعَالَى، وَذَلِكَ لِأَنَّا نَقُولُ: الدِّينُ الَّذِي هُوَ الْإِسْلَامُ نِعْمَةٌ، وَكُلُّ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّه، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ دِينُ الْإِسْلَامِ مِنَ اللَّه.
إِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْإِسْلَامَ نِعْمَةٌ لِوَجْهَيْنِ: