قلنا: المراد به العصمة من القتل لا من جميع الأذى، فإن جميع العصمة من جميع المكاره لا تناسب أخلاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم جامعون مكارم الأخلاق ومن أشرف مكارم الأخلاق تحمّل الأذى.
الثاني: أن هذه الآية نزلت بعد أحد؛ لأن سورة المائدة من آخر ما نزلت من القرآن.
[246] فإن قيل: كيف قال: (وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ) [البقرة: 270] ؛ مع أن بعض الظالمين وهم العصاة من المؤمنين يشفع فيهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوم القيامة فيكون ناصرا لهم؟
قلنا: المراد بالظالمين هنا المشركون، يعلم ذلك من أول الآية ووسطها.
[247] فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ) [المائدة: 77] ، بعد قوله: (قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ) [المائدة: 77] ؟
قلنا: المراد بالضلال الأول ضلالهم عن الإنجيل، وبالضلال الثاني ضلالهم عن القرآن.
[248] فإن قيل: قوله تعالى: (كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ) [المائدة: 79] والنهي عن المنكر بعد فعله ووقوعه لا معنى له؟
قلنا: فيه إضمار حذف مضاف تقديره: كانوا لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله، كما يرى الإنسان أمارات الخوض في الفسق وآلاته تسوّى وتهيّأ فينكر، ويجوز أن يريد بقوله: (لا يَتَناهَوْنَ لا ينتهون ولا يمتنعون عن منكر فعلوه، بل يصرون عليه ويداومون، يقال: (تناهى عن الأمر وانتهى عنه بمعنى واحد: أي امتنع عنه وتركه.
[249] فإن قيل: كيف قال: (وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ) [المائدة: 81] والمراد بقوله منهم المنافقون أو اليهود على اختلاف القولين وكلهم فاسقون؟
قلنا: المراد به فسقهم بموالاة المشركين ودسّ الأخبار إليهم لا مطلق الفسق، وذلك الفسق الخاص مخصوص بكثير منهم، وهم المذكورون في أوّل الآية في قوله:
تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ) [المائدة: 80] الآية لا شامل لجميعهم.
[250] فإن قيل: كيف قال: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) [المائدة: 90] وهذه الأعيان كلها مخلوقات لله تعالى فأين عمل الشيطان في وجودها؟
قلنا: فيه إضمار تقديره: إنما تعاطي الخمر والميسر إلى آخره أو مباشرته إلخ.
[251] فإن قيل: مع هذا الإضمار كيف قال من عمل الشيطان، وتعاطي الخمر والقمار ونحوهما من عمل الإنسان حقيقة؟