وربما قيل في قوله تعالى (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً) ان ذلك يدل على انه تعالى يخلق قسوة القلوب وسائر المعاصي. وجوابنا ان قوله (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ) دلالة على انهم نقضوا وأنه لاجل ذلك لعنهم فجعل قلوبهم قاسية ولا يصح ذلك الا والكفر قد تقدم منهم وإذا صح ذلك وجب حمل
قوله (وَجَعَلْنا) على ان المراد حكمنا بذلك كما يقال جعلت الرجل بخيلا إذا سألته فظهر بخله ويحتمل ان يريد تعالى أنه جعل قلبهم على صفة يحتاجون معها إلى مزيد تكليف في الطاعة ومثل ذلك يكون من قبل الله تعالى كما تقول في الجبن والشجاعة والذكاء والبلادة ولفظة الجعل وان دلت على الفعل فقد يراد بها غير ذلك كقوله تعالى (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً) والمراد اعتقدوا ذلك فسموهم وكقوله في القصاص (فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً) والمراد حكمنا بذلك وقد قيل ان المراد به انا خليناهم وقد يقال للرجل إذا ترك ان يعمر أرضه قد جعله خرابا وإذا لم يؤدب ولده يقال قد جعله فاسدا إلى غير ذلك ولولا صحة ما ذكرناه لما قال بعده (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) فذمهم على ذلك.
[مسألة]