ضوء ذلك فقد استند القانون الدولي وقواعده المنظمة للعلاقات بين الأمم والشعوب إلى الرابطة الدينية، وخصوصا من ناحية سلطة الكنيسة التي لعبت دورا هاما في تطور الدبلوماسية في القرون الوسطى حيث درجت على إيفاد المبعوثين والرسل في مهمات دبلوماسية مؤقتة وهو ما يمكن اعتباره البداية العملية للبعثات البابوية في الوقت الحالي والتي تعرف بالقاصد الرسولي. ولكن سرعان ما أخذت سلطة الكنيسة تهتز من خلال الإصلاحات الدينية، وظهور حركات الاكتشافات العظيمة، والاستكشافات، التي هزت كل أسس ومرتكزات التفكير الأوربي، حيث أن إبرام معاهدة وتسلفاليا عام 1948، أوجد الاتجاه الذي أخذت تسير فيه العلاقات الدولية بشكل يختلف عن السابق، من خلال قواعد منظمة لها في التحكيم والتراضي. إذ أنه ولأول مرة في تاريخ الإنسانية نشأ نظام السفارات الدائمة بعد أن ساد نظام الدبلوماسية المتنقلة، والتخلص من السيادة البابوية، تأكيد فكرة الاجتماع والتشاور، وقيام علاقات قائمة على التوازن والسلم، والمصالح المتبادلة.
إلا أن النقطة الجوهرية هو أن مؤتمر وتسفاليا فتح الباب لتدوين القواعد القانونية المنظمة العلاقات الدول. ولكن سرعان ما أصابها الاضطراب وعدم الاستقرار بفعل أوضاع أوربية جديدة،
حتى لتقرر أوروبا بنفسها بعد سقوط نابليون لتجلس من جديد في مؤتمر فينا لعام 1815 بهدف إعادة تنظيم العلاقات فيما بين دولها، وأعادت التوازن الدولي وتكريس الأوضاع السابقة التي انهارت بحروب نابليون ووضع قواعد دولية جديدة، ومن بينها ترتيب المبعوثين السياسيين، حسب الأسبقية. أي أنه أرسى لأول مرة نظام حق التصدر أو التقدم الذي فشل فيه مؤتمر وتسفاليا. وقد تزعزعت مبادئ مؤتمر فينا بالحلف المقدس 1815، ومعاهدة أكس لاشابيل 1818، التي انبثق عنها سياسة تدخل أوروبية أوصلت القارة إلى حروب طاحنة وتدخلات عديدة أفضت إلى نمو أفكار جديدة ليست في الأوساط السياسية الأوربية وإنما في إطار علاقاتها الدولية، حيث استقرت المبادئ التي طالبت بحق الشعوب في تقرير مصيرها، واختيار نظام الحكم، وحق المساواة بين الدول، وحرية الملاحة وجواز عدم التدخل في الشؤون الدولية، حتى لتجد أوروبا نفسها مرة أخرى رغم المعاهدات التي عقدتها أمام أكبر حرب عالمية أولى في القرن العشرين بعد أن انهارت كل الجهود التوطيد السلم العالمي.