فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 563

الأطراف سواء كان في وقت السلم أو في حالة العداء، بغية الوصول إلى وضع أفضل أو تجنب ما يحمد عقباه. وفي كل الأحوال، فإنها مجموعة القواعد والأعراف والمبادئ التي ترسخت بمرور الزمن بهدف تنظيم وإدارة العلاقات القائمة بين أطراف المحيط الدولي. فعندما لم يکن قائما في هذا المحيط غير دولة المدينة التي عرفتها حضارة وادي الرافدين والنيل، ومن ثم دولة المدينة اليونانية، فقد أوجدت بعض الممارسات في إطارها الدبلوماسي المحدد بتبادل المبعوثين، وتسوية النزاعات، وإبرام المعاهدات، والاتفاقيات للصلح والسلام، والتحالف، لتأمين المصالح وتنظيم العلاقات، حيث الاستمرار على ممارستها أوجد لدى المدن اليونانية والحضارات الإنسانية الأخرى في الشرق، قواعد ونظم عامة للتمثيل والتفاوض سرت على الجميع، وترصن من أسسها تجارب الآخرين، التواتر على استعمالها بحث أوجدت لها الحرمة، والتقاليد الراسخة في احترامها ومراعاتها بالشكل الذي يؤدي خرقها إلى درجة إعلان الحرب.

وهكذا دواليك، فقد سارت الحضارة الإنسانية نحو مراحل تقدمها وهي تحمل معها تقاليد وأسس وقواعد عامة منظمة لعلاقاتها تتغير حسب تغيير الأوضاع القائمة في المحيط الدولي إلى أن وصل الأمر بالقوى الأوربية الكبرى المتطاحنة إلى الجلوس على طاولة واحدة مستديرة لوضع أسس وقواعد عامة لعلاقاتها فيما بينها، ومع القوى الأخرى في الشرق التي كان لها أيضا تراثها الحضاري الذي تجسد في علاقاتها الخارجية. إلا أن الحقيقة التي يجب الاعتراف بها هو أن ما يطلق عليه اليوم بالقانون الدبلوماسي الدولي، لم يكن في حقيقته إلا قانونا أوربيا أو (( بنظام الدولة الأوربية ) )أوجدته القوى الأوربية المتصارعة لتنظم بموجبه علاقاتها، ليسري بعد ذلك على بقية شعوب الأرض.

وإذا كان ما ترسخ من التقاليد فمنذ شرائع الرومان مرورا بالعصور التي عاشتها، فإن العالم انقسم خلال هذه العصور إلى كتلتين، كتلة الأمم الإسلامية وقد كانت إمبراطورية عظمى وصلت إلى جنوب فرنسا ووسط أوروبا والصين، وعلاقات المسلمين كانت تخضع إلى قواعد منظمة مستمدة من أحكام القرآن الكريم تسودها روح التسامح والعدالة بين الشعوب. وبالمقابل هناك كتلة الشعوب المسيحية التي تجمعت تحت سلطة البابا فيما عرب بالحروب الصليبية التي أوجدت بعض المزايا في محيط العلاقات الدولية من خلال تجميع أوربا المسيحية، وقيام علاقات تجارية. وعلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت