و قال آخرون منهم: بل العلة في إبطال النبوات أنه لا سبيل إلى العلم بصحتها لغيبها، و أن ظهور ما ليس في الطباع من معجزاتهم ممتنع الطباع الدافعة لها، فهذا فاسد من وجهين.
أحدهما: أن المعجزات من فعل الله تعالى فيهم فخرجت عن حكم طباعهم. و الثاني: لما تميزوا بخروجهم عن الطباع من الرسالة تميزوا بما يخرج عن عرف الطباع من الإعجاز.
و قال آخرون منهم: بل العلة في إبطال النبوات إن ما يظهرونه من المعجز الخارج عن العادة قد يوجد مثله في أهل الشعبذة و المخرقة و أهل النارنجيات و ليس ذلك من دلائل صدقهم فكذلك أحكام المعجزات.
و هذا فاسد من وجهين. أحدهما: ان الشعبذة تظهر لذوي العقول و تندلس على الغر الجهول فخالفت المعجزة التي تذهل لها العقول. و الثاني: أن الشعبذة تستفاد بالتعليم فيتعلمها من ليس يحسنها فيصير مكافئًا لمن أحسنها و يعارضها بمثلها، و المعجزة مبتكرة لا يتعاطاها غير صاحبها و لا يعارضه أحد بمثلها، كما انقلبت عصا موسى حية تسعى تلتقف ما أفكه السحرة فخروا له سجدًا.
ثم قال:
و لئن كان في إبطاله هذه الشبهة دليل على إثباتها فيستدل على إثبات النبوات من خمسة أوجه و إن اشتملت تلك الأجوبة على بعضها:
أحدها: أن الله تعالى منعم على عباده بما يرشدهم إليه من المصالح، و لما كان في بعثة الرسل ما لا تدركه العقول كان إرسالهم من عموم المصالح التي تكفل بها.
و الثاني: أن فيما تأتي به الرسل من الجزاء بالجنة ثوابًا على الرغبة في فعل الخير و بالنار عقابًا يبعث على الرهبة في الكف عن الشر، صارا سببًا لئتلاف الخلق و تعاطي الحق.