*ثم قال عن منكري النبوة:
و أنكر فريق من الأمم نبوات الرسل و هم فيها ثلاثة أصناف:
أحدها: ملحدة دهرية يقولون يقدم العالم و تدبير الطبائع، فهم بإنكار المرسل أجدر أن يقولوا بإنكار الرسل.
و الصنف الثاني: براهمة موحدة يقولون بحدوث العالم و يجحدون بعثة الرسل ويبطلون النبوات، و هم المنسوبون إلى بهر من صاحب مقالتهم. و شذ فريق منهم فادعى أنه آدم أبو البشر، و منهم من قال هو إبراهيم، و من قال من هذه الفرقة الشذة منهم أنه أحد هذين أقر بنبوتهما و أنكر نبوة من سواهما. و جمهورهم على خلاف هذه المقالة في اعتزائهم لصاحب مقالتهم و إنكار جميع النبوات عمومًا. .
و الصنف الثالث: فلاسفة لا يتظاهرون بإبطال النبوات في الظاهر، و هم مبطلوها في تحقيق قولهم، لأنهم يقولون: إن العلوم الربانية بعد كمال العلوم الرياضية من الفلسفة و الهندسة ليضعها من كملت رياضته إذا كان عليها مطبوعًا.
الرد على منكري النبوات:
و اختلف من أبطل النبوات في علة إبطالها فذهب بعضهم إلى أن العلة في إبطالها أن الله تعالى قد أغنى عنها بما دلت عليه العقول من لوازم ما تأتي به الرسل و هذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنه لا يمنع ما دلت عليه العقول جواز أن تأتي به الرسل وجوبًا و لو كان العقل موجبًا لما امتنع أن تأتي به الرسل وجوبًا، و لو كان العقل موجبًا لما امتنع أن تأتي به الرسل تأكيدًا كما تترادف دلائل العقول على التوحيد، و لا يمنع وجود بعضها من و جود غيرها.
و الثاني: إنه لا تستغني قضايا العقول عن بعثة الرسل من وجهين: أحدهما: إن قضايا العقول قد تختلف فيما تكافأت فيه أدلتها فانحسم ببعثه الرسل اختلافها.