فهرس الكتاب

الصفحة 426 من 521

تزري بفاعلها وتحط منزلته وتسقط مروءته , واختلفوا في وقوع غيرها من الصغائر منهم , فذهب معظم الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من السلف والخلف إلى جواز وقوعها منهم وحجتهم ظواهر القرآن والأخبار وذهب جماعة من أهل التحقيق والنظر من الفقهاء والمتكلمين من أئمتنا إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر , وأن منصب النبوة يجل عن مواقعتها وعن مخالفة الله تعالى عمدا , وتكلموا على الآيات والأحاديث الواردة في ذلك وتأولوها , وأن ما ذكر عنهم من ذلك إنما هو فيما كان منهم على تأويل أو سهو أو من إذن من الله تعالى في أشياء أشفقوا من المؤاخذة بها وأشياء منهم قبل النبوة , وهذا المذهب هو الحق لما قدمناه , ولأنه لو صح ذلك منهم لم يلزمنا الاقتداء بأفعالهم وإقرارهم وكثير من أقوالهم , ولا خلاف في الاقتداء بذلك , وإنما اختلاف العلماء: هل ذلك على الوجوب أو على الندب أو الإباحة أو التفريق فيما كان من باب القرب أو غيرها؟. قال القاضي: وقد بسطنا القول في هذا الباب في كتابنا (الشفاء) وبلغنا فيه المبلغ الذي لا يوجد في غيرة , وتكلمنا على الظواهر في ذلك بما فيه كفاية , ولا يهولك أن نسب قوم هذا المذهب إلى الخوارج والمعتزلة وطوائف من المبتدعة إذ منزعهم فيه منزع آخر من التكفير بالصغائر , ونحن نتبرأ إلى الله تعالى من هذا المذهب.

وانظر هذه الخطايا التي ذكرت للأنبياء من أكل آدم عليه الصلاة والسلام من الشجرة ناسيا , ومن دعوة نوح عليه السلام على قوم كفار , وقتل موسى صلى الله عليه وسلم الكافر لم يؤمر بقتله , ومدافعة إبراهيم صلى الله عليه وسلم الكفار بقول عرض به هو فيه من وجه صادق , وهذه كلها في حق غيرهم ليست بذنوب , لكنهم أشفقوا منها إذ لم تكن عن أمر الله تعالى , وعتب على بعضهم فيها لقدر منزلتهم من معرفة الله تعالى. هذا آخر كلام القاضي عياض - رحمه الله تعالى - والله أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت