المؤمن وعظم المنفعة به لأهل الدنيا احترمه فلم يبسط يده إليه , فإذا ذكر أمر ربه لم يجد بدا من امتثاله.
وجوابا رابعا وهو أن يكون هذا خطابا لنا بما نعقل والرب منزه عن حقيقته , بل هو من جنس قوله"ومن أتاني يمشي أتيته هرولة"فكما أن أحدنا يريد أن يضرب ولده تأديبا فتمنعه المحبة وتبعثه الشفقة فيتردد بينهما ولو كان غير الوالد كالمعلم لم يتردد بل كان يبادر إلى ضربه لتأديبه فأريد تفيهمنا تحقيق المحبة للولي بذكر التردد.
قوله (يكره الموت وأنا أكره مساءته) وأسند البيهقي في"الزهد"عن الجنيد سيد الطائفة قال: الكراهة هنا لما يلقى المؤمن من الموت وصعوبته وكربه , وليس المعنى أني أكره له الموت لأن الموت يورده إلى رحمة الله ومغفرته انتهى. وعبر بعضهم عن هذا بأن الموت حتم مقضى , وهو مفارقة الروح للجسد , ولا تحصل غالبا إلا بألم عظيم جدا كما جاء عن عمرو بن العاص أنه سئل وهو يموت فقال:"كأني أتنفس من خرم إبرة , وكأن غصن شوك يجر به من قامتي إلى هامتي"وعن كعب أن عمر سأله عن الموت فوصفه بنحو هذا , فلما كان الموت بهذا الوصف , والله يكره أذى المؤمن , أطلق على ذلك الكراهة.
ويحتمل أن تكون المساءة بالنسبة إلى طول الحياة لأنها تؤدي إلى أرذل العمر , وتنكس الخلق والرد إلى أسفل سافلين. وجوز الكرماني أن يكون المراد أكره مكرهه الموت فلا أسرع بقبض روحه فأكون كالمتردد.
قال الشيخ أبو الفضل بن عطاء: في هذا الحديث عظم قدر الولي , لكونه خرج عن تدبيره إلى تدبير ربه , وعن انتصاره لنفسه إلى انتصار الله له , وعن حوله وقوته بصدق توكله. قال: ويؤخذ منه أن لا يحكم لإنسان آذى وليا ثم لم يعاجل بمصيبة في نفسه أو ماله أو ولده بأنه سلم من انتقام الله , فقد تكون مصيبته في غير ذلك مما هو أشد عليه كالمصيبة في الدين مثلا. قال: