ظلت الحياة الأوروبية راكدة قرونًا طويلة؛ العمال يعملون للنبيل، والنبيل يجمع الأموال ويعطي الخدم، والنبيل يجهز من الخدم -من الرقيق- جيشًا للحملات الصليبية التي كانوا يشنونها علينا، يجهزها ويعطيها للامبراطور، والامبراطور يرى أنه مادام النبيل أرسلها إلى مسئول الإقطاعية، فالوضع ثابت، والامبراطور أسرته ثابتة تتوارث الملك، والكنيسة نظام ثابت يتوارث أصحاب المناصب والكراسي في ترقٍ هرمي، فكل أسرة ثابتة في عمل ما تتوارثه، هذا في الدير، وهذا في المزرعة، وانتهت القضية.
ومرت قرون والحياة ثابتة راكدة، ومرت على أوروبا فترة ظلمات أشد عندما جاء ما يسمى النورمانديون -شعوب الشمال- وكلها شعوب همجية، فاحلتوا روما، أي احتلوا الكنيسة الغربية ونقضوها، وأما الكنيسة الشرقية في القسطنطينية فبقيت نصرانية، أما الكنسية الغربية ودولها مثل إيطاليا، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا؛ فبقيت قرونًا طويلة لا تعرف كتابةً ولا علمًا على الإطلاق، وكل رأس مالها من العلم كتب كتبت قبل الغزو، يقرؤها بعض الآباء (الكرادنة) فقد كانت مفلسةً تمامًا من العلم.
ويعتبر الأوروبيون بداية التاريخ الحديث هو فتح القسطنطينية، لماذا؟! هل ذلك يعتبر لنا نحن لأننا فتحنا القسطنطينية؟! لا!! إنما لأنهم يقولون: إنه عندما فتحت القسطنطينية، وأعطى محمد الفاتح الأمان لمن فيها من النصارى، هاجر العلماء الذين كانوا موجودين في القسطنطينية إلى روما وإلى الكنيسة الغربية، واستبشر أصحاب الكنسية الغربية بالقضاء على الكنيسة الشرقية، وإن كان المسلمون هم الذين أخذوها، فانتقلوا إلى هناك، فقالوا: بدأ العلم وبدأت الحضارة، والحقيقة أن أوروبا تريد ألا يكون لنا فضل عليهم.
وهناك قضية انتقال الحضارة الإسلامية إلى أوروبا عبر الأندلس، وعبر إيطاليا، وكانت جامعات إيطاليا تدرس باللغة العربية، وكان فريدريك الثاني أكبر امبراطور في العصور الوسطى الأوروبية -كما هو معروف- وهو الذي كان في عصر الكامل الأيوبي، وجاء إلى الكامل الأيوبي، وتقابلا في فلسطين وتخاطبًا باللغة العربية الفصحى بدون مترجم، لأن فريدريك تعلم اللغة العربية، وكان من المفروض أن أي مثقف لا بد أن يتعلم اللغة العربية، وإلا فلا يعتبر مثقفًا، فكان جنوب إيطاليا مركزًا لانتقال الحضارة الإسلامية إلى أوروبا.
ومع ذلك لا تعترف أوروبا بهذا، ولا يهمنا أن تعترف، فهو أمر طبيعي، لكن الشيء العجيب أن أوروبا جاءها الإسلام بحضارة كاملة، وتراث علمي كامل، فاختارت رجلًا هو الآن عندهم أعظم رجلٍ في فكرهم من غير الأوروبيين، وهو ابن رشد الذي يسمونه أَفِيروس، وكيف لا وهو الرجل الذي جاء بكتب أرسطو وترجمها؟!! فهذا هو الانتقاء الذي انتقته أوروبا، ونحن أخذنا علمانيتها كاملةً ولم ننتق! وبدأ عندهم ما يسمى بالعلوم الإنسانية، والتسمية نفسها -مع الأسف نحن نقلناها- سميت لأن العلم كان من وضع رجال الدين، كانوا يضغطون على العلماء، ويتحكمون في كل شيء، وكان العلم هو ما يقوله رجل الدين، سواء حدثنا عن الأرض أم عن الكون أم عن التشريع، كما قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة:31] فكل ما يقوله الحبر أو الكاهن فهو الدين والعلم.
أما الذين ارتدوا إلى الجاهلية الإغريقية فقد جاءوا بالفكر الإنساني كمقابل للفكر أو العلم اللاهوتي، وقالوا: هذا فكر إنساني، وهو يطلق على علم الاجتماع، وعلم النفس.
وهذه العلوم -حتى هذا الوقت- لا تزال في أوروبا وقد استوردناها منهم، وفي كثير منها نظريات تتصادم مع الإسلام، وفي الغالب لا نجد كُتَّابًا مسلمين متخصصين يكتبون هذه القضايا من خلال الإسلام.
وبدأ ما يسمى بعصر النهضة وبدأ الصراع بين الدين وبين الفكر الإنساني كما يسمونه.