فهرس الكتاب

الصفحة 849 من 2843

وقد ذكر الله في هذه الآية المراتب الثلاثة، وهي: أركان العبادة الثلاثة: الحب، والخوف، والرجاء، ونستطيع أن نستنبط الحب من قوله: (أيهم أقرب) فعندما تقول فلان أقرب إليك أي: أن محبته لك أكثر، فالقرب هو لازم المحبة.

وأساس كل الطاعات هي المحبة، وأساس الإيمان بالله تعالى هو محبته ومحبة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونستنبط الرجاء من قوله: (يرجون رحمته) والخوف من قوله: (يخافون عذابه) ولذلك حقيقة العبودية هي: كمال الذل والخضوع، مع كمال المحبة والإجلال.

فإذا جردنا العبودية من المحبة، فإنها تصبح خوفًا محضًا، ولذلك نوضح بالأمثلة عبودية الأقوام السابقة، فالطواغيت نوعان في جميع العصور: إما طواغيت سلطان ورئاسة وعلو في الأرض، كما أخبرنا الله تبارك وتعالى، وهؤلاء هم الذين يريدون علوًا في الأرض، فهؤلاء طواغيت الرئاسة والحكم والسلطة والعلو يجعلون أنفسهم أربابًا وآلهةً من دون الله، ومن المعلوم أن من كره هؤلاء ومقتهم أنه غير عابد لهم، وإن كان مطيعًا لهم، فقد يكون من جنودهم وأتباعهم لكن ليس من عبادهم؛ لأن أساس العبادة هو: المحبة.

والنوع الآخر من الطواغيت هم: طواغيت التدين والدين والخرافة والتبديل والتحريف، وهؤلاء لخطرهم ولضررهم هم الأكثر والتحذير منهم في القرآن أكثر، وأكثر شرك الناس بسببهم؛ لأنه لا يقترن بهم قوة ولا سلطان فإذا وجدت بين أهل مصر من يثني على فرعون، فيحتمل أنه يثني عليه خوفًا منه؛ لأنه الملك أو لمصلحة أو رابطة دنيوية ولا يكون عابدًا له ولا مؤلهًا له، لكن من كان يحب البابا يوحنا أو شيخ الطريقة أو البدوي، فهذا لا سلطان له، وسبب محبته أنها محبة تَقَرُّب وتَنَسُّك وأنه يظن ذلك دينًا.

والطاغوت: هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فهؤلاء الذين ذكرهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من أول صفاتهم المحبة؛ لأنها الركن الأساس من أركان العبادة أو العبودية، والرجاء هو الركن الثاني، فبالإجلال والتقدير والمحبة تكون العبادة، فإذا اجتمع هذان أصبحت عبادة، وإذا انتفى أحد هذين لم تصبح عبادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت