فهرس الكتاب

الصفحة 400 من 2843

ثم يأتي إلى موضع آخر، وهو يعطينا أيضًا قوة حجته وقواعد عظيمة في فنون كثيرة لا تجدها بهذا الجمع والاتقان والإجمال -كما في هذا الكتاب-، إلا في غيره من كتبه رحمه الله، وهي: معرفة صدق الخبر ولو كان خبرًا واحد، وكيف نعرف صدق الخبر وكيف لا نعرفه؛ ليبين أن النصارى يقعون في ضلال كبير بسبب هذا، فيصدقون الكاذب أو يكذبون الصدوق، فيبين أن من يخبر بالخبر قد يكون كاذبًا وقد يكون صادقًا، ولا يجزم بأن أحدًا صادق مطلقًا ولا أن أحدًا كاذب مطلقًا إلا بالقرائن التي تحف به وبخبره وبإفادته له، فيقول: 'الناس يعلمون أن خبر الواحد قد يقوم دليل على صدقه فيعلم أنه صدق وإن كان خبرا واحدا، وقد يقوم الدليل على كذبه، فيعلم أنه كذب وإن كان قد أخبر به ألوف -فالقضية ليست قضية عدد فقط، إنما هي قرائن وموازين عقلية سليمة لا بد منها، ثم يقول: وتلك القرائن والدلائل قد تكون صفاتًا في المخبر من جهة علمه ودينه وتحريه الصدق، بحيث يعلم قطعًا أنه لا يتعمد الكذب -ثم يستطرد ويمثل بعلماء الحديث رضي الله عنهم وأرضاهم، فيقول:- كما يعلم علماء أهل الحديث علمًا يقينيًا قطعيًا أن ابن عمر وعائشة وأبو سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وأمثالهم، لم يكونوا يتعمدون الكذب على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فضلًا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي إلى آخره، بل يعلمون علمًا يقينيًا بأن الثوري ومالك وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل والبخاري وأبا زرعة وأبا داود وأمثالهم لا يتعمدون الكذب في الحديث' هذا جانب.

والجانب الآخر أنه قد تكون الدلائل هي صفات في المخبَر به أي: في الحقائق التي يخبر بها المخْبِر، التي يُعلم بها أن ذلك المخبر لا يكذب في مثل ذلك الخبر، ويضرب لذلك أمثلة عقلية فيقول: ' كحاجب الأمير إذا قال بحضرته لعسكره: إن الأمير قد أذن لكم بالانصراف، أو أمركم أن تركبوا غدًا أو قال: قد أمرَّ عليكم فلانًا ونحو ذلك، فإنهم يعلمون أنه لم يتعمد الكذب في مثل هذا وإن لم يكن بحضرته، فكيف إذا كان بحضرته؟! وإن كانوا قد يكذبونه في غير هذا، مع أن هذا الحاجب قد يكون كذابًا لكن إذا قال هذا بحضرة الأمير أو الملك أو الخليفة عُلم صدقه كل هذه الدلائل العقلية يركب عليها رحمه الله فيما بعد صدق رسالة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ '.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت