فهرس الكتاب

الصفحة 1376 من 2843

لقد أوجزت إيجازًا شديدًا جدًا في المخالفات التي بلغت إلى عشر مخالفات بالتفصيل، أما في الجملة فقد ذكرنا لكم الحكم العام في أحكام الشركات أو في نظام الشركات، بقي أن نتحدث عما هو أهم من ذلك كله، وهو: ما هو الحل في هذا الواقع؟ نقول: إن ما يمارسه بعض الدارسين من كونه يعرف نظام الشركات، ويدرسه من خلال الآراء الفقهية، ويقول: (هذه المادة توافق قولًا للمالكية، وهذه المادة قد تخرّج على قول عند الحنابلة، أما هذه المادة فهي حرام بالإجماع، وأما هذه فهي كذا فإن ذلك ترقيع لا يجوز، لأن ذلك إقرار بأصل الفكرة، وهي استمداد القوانين الغربية واستيرادها كما هي، وتطبيقها في بلاد المسلمين؛ ثم بعد ذلك: نعقد المقارنات والمشابهات!! ولو بقينا على هذا الشأن، فسنظل عقودًا أو قرونًا، وأوضاعنا لا تصلح أبدًا.

ويقال لهذا العمل: هذا هو التلفيق الذي قال عنه العلماء: 'من تتبع رخص العلماء تزندق' الموضوع في الأسهم يوافق رأيًا عند المالكية، وموضوع توزيع الأرباح -فرضًا- يوافق رأيًا عند الشافعية وموضوع كذا، وهذا تلفيق لا يقره من يعتني بتطبيق المذاهب الفقهية، كما كان حال الأمة، عندما كانت مقسمة إلى انتماءات مذهبية، ولا من يدعو إلى تحكيم كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو ما يجب أن يدعو إليه كل مسلم؛ فلا يجوز أن نستورد قانونًا وضعيًا، ثم نبدأ نقارن: فقرةً فقرةً أو مادةً مادة، ثم نخرِّجها على مذاهب الفقه؛ لأن الذي جاء بهذا القانون ما أراد هذه المواد، ويقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إنما الأعمال بالنيات} وهذا ما نوى أن يستمد من كتب الفقه، ولا قصد أن يكون هذا الشيء حلالًا أو موافقًا لمذهبٍ فقهي؛ وإنما أنت -أيها المسكين- الذي تخرج الأحكام بينت ذلك، فنقول: هذا العمل لا يصح؛ وإنما الحل الصحيح الذي يجب أن تجمع عليه الأمة إجماعًا، هو أن يلغى نظام الشركات القائم حاليًا، كما يلغى غيره، وتلغى أنظمة البنوك الربوية، ويلغى أي نظام مخالف لشرع الله إلغاءً تامًا.

ثم تشكل هيئة أو لجنة علمية من علمائنا الأفاضل، أو ممن هم دون العلماء، والعلماء يراجعون في النهاية لزحمة أوقاتهم، فتشكل هيئة علمية شرعية مرموقة تضع الحلول في النوازل الواقعة التي قد تستجد، وترتب أمور الشركات عندنا على ضوء الشركات المعروفة في الفقه الإسلامي، وما زاد عن ذلك فهو محل اجتهاد.

وإذا كان الغربيون قد وضعوا هذه الأحكام من عند أنفسهم من غير شرعٍ ولا هدى من الله، وإنما بتجارب طويلة في الواقع؛ فكيف بنا ونحن عندنا -والحمد لله- أكبر وأعظم مصدر للتشريع بإجماع كل القانونيين في الدنيا وهو الشرع بما في ذلك الفقه الإسلامي الواسع الثري العظيم -والحمد لله- وعندنا العقول والطاقات المُبدِعَة.

فيجب أن يلغى نظام الشركات الحالي، وترتب أوضاع الشركات لفترة انتقالية، تقررها اللجنة، وتبين كيف يمكن أن نرجع جميع أنواع الشركات الموجودة إلى أصولها الشرعية، وتبعًا لذلك تلغى الهيئات القضائية التجارية، بما في ذلك هيئة فض منازعات الشركات ويكون الرجوع في كل القضايا المختلف فيها كالأسهم والأرباح وأي شيء من قضايا الشركات إلى المحاكم الشرعية كما ذكرنا في الآيات، وكما ذكر الشيخ محمد رحمه الله، وكما هو الواجب على كل مسلم فإنه بمجرد أن يعرف الشركاء وتعرف الشركات السعودية منها والأجنبية أن مرجعها إلى الشرع فسوف تتخلى تلقائيًا عن كثير من المحرمات؛ لأن الذي يشجعهم الآن على الربا مثلًا أو التعامل به، أن الميزانية والأعمال والتحاكم لا ترجع إلى الشرع، فيصادق على الميزانية، وتعلن في الجرائد، مع أنها تشتمل على الربا، وفي كثير من الأحيان يكون صريحًا، ومع ذلك لا يحاسبهم أحد ولا يعاقبهم أحد.

فلو منعت وأحيلت إلى المحاكم الشرعية؛ لتخلصنا من هذا الداء -بإذن الله- ولأصبح الإنسان ملتزمًا بأحكام سهلة مبسطة واضحة لديه، تنظم له أمور الشركات تنظيمًا شرعيًا صحيحًا، وفي نفس الوقت إن حصل خلاف فالحكم فيه للمحكمة الشرعية، فلا يتسرب الحرام؛ إنما يظل ما في النفوس من طبيعة الغش والاحتيال والطمع والشره إلا من رحمه الله، وهذا أمر طبعي في النفوس يعالج بنشر الدعوة إلى الله، ويعالج بنشر حب الخير، وحب الفضيلة، وما توعد الله به من غَشَّ، أو رابى أو تعامل بمحرم، أو ظلم، أو سرق، أو نهب، أو اختلس إلى غير ذلك، وبذلك يكون مجتمعنا مجتمعًا نقيًا صحيحًا سليمًا، فنرضي ربنا عز وجل ونتخلص من هذا الداء، الذي هو -كما قال الشيخ رحمه الله- أمر خطير كبير، يتعلق بالعقيدة، وبشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وليس من الأمور الاجتهادية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت