فهرس الكتاب

الصفحة 1880 من 2843

وأمر آخر يجب أن نحفظ منه قلوبنا، وهو مما يظهر أيضًا أثره على جوارحنا، وهو قرين وقريب من الحسد، وهو سوء الظن، يقول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات:12] ولا حظوا الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} فلا بد أن تجتنب الكثير من الظن لكون البعض منه إثمًا وليس العكس، والإنسان ينظر إلى بعض الأمور، ثم يتوسع الظن عنده حتى يسوء ظنه كثيرًا من أجل احتمال قليل، وربما يكون هذا القول صدر أو بدر من أخيك وله احتمال من الحق واحتمال من الخطأ أو الباطل، فإذا وسَّعته أكثر مما يحتمل، فقد عكست مفهوم الآية ومضمونها تمامًا.

فالواجب علينا أن نجتنب كثيرًا من الظن لكون البعض منها إثمًا، وحتى نحفظ قلوبنا ونحفظ جوارحنا من النيل والوقوع في أعراض إخواننا المسلمين، ولذلك يقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تناجشوا ولا يبيع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا} .

وسوء الظن يولد في الإنسان عندما يترك هذه الفضائل، فتنقطع الأخوة والبغضاء ويقع الحسد والبغي، ويقع العدوان والفتنة، وأصل ذلك كله ناشئ من سوء الظن -والعياذ بالله- وقال بعض السلف -وهو من الكلام المفيد-: [[إنما يُسيء الظن بالله خبيث النفس، قالوا: كيف ذلك؟! قال: إنه تترشح صفاته فتخرج في غيره] ] أي: هو نفسه خبيثة والعياذ بالله، وأعماله وباطنه خبيث، فيترشح ذلك كما يترشح الأناء، ويخرج بشكل إساءة الظن بالناس.

فيأتيه -مثلًا- القول الصادق فيقول: لا، هذا القول كذب، وإذا قيل له: لماذا؟ يقول: ماذا لو كان صاحبه كاذبًا؟! لأنه هو -نفسه- يقول القول وهو كاذب والعياذ بالله.

ويوصف له الإنسان بالتقوى فيقول: لا، هذا ليس بتقوى، لماذا؟ قال: هناك أشياء لا تدري أنت عنها ولا تعلمها، لماذا؟ قال: لأنه يظهر التقوى ويعمل في الباطن أعمالًا خفيه، فهو في الحقيقة يتكلم عن نفسه، وأصدق الناس ظنًا بإخوانه المسلمين هو أسلم الناس باطنًا، وهذه قاعدة؛ لأنه لا يتصور أن أحدًا يقول الحق ثم يفعل هذه الموبقات ولذا فإنه لا يتهم بها الناس؛ لكن الذي يفعلها -والعياذ بالله- يتهم الآخرين بلا دليل إلا دليل سوء الظن فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت