لقد أدت هاتان الإمارتان دورهما في خدمة سادتهما خير أداء، فقد بطش ملوكهم بقبائل العرب بطشًا مريعًا ففي يوم أوارة الأول مثلًا يبطش المنذر بن ماء السماء بقبيلة بكر؛ لأنها رفضت طاعته، ويقتل منها خلقًا كثيرًا بعد حرب دامية، ثم أسر منهم عددًا كبيرًا وأمر بهم أن يذبحوا على جبل أوارة حتى جعل الدم يحمد وأمر النساء أن يحرقن بالنار (47) .
وابنه عمرو بن هند وضع ابنًا له عند سيد بني تميم زرارة بن عُدس، وكان صغيرًا، خرج يصطاد بعد أن أصبح رجلًا، ومر بإبل لزوج ابنة زرارة وأمر ببكرة منها فنُحرت، وكان صاحب الإبل نائمًا فلما انتبه ضربه بعصا ولم يعرفه فمات .. فخرج سويد صهر زرارة هاربًا إلى مكة المكرمة، وهرب زرارة أيضًا إلى أن قيل له: ائت الملك واصدقه .. فجاء الملك وأخبره الخبر فقال: جئني بسويد، قال: قد لحق بمكة، قال: فعلي ببنيه، فأتي ببنيه السبعة من ابنة زرارة وهم غلمة بعضهم فوق بعض فأمر بقتلهم، تناولوا أحدهم فضربوا عنقه، فتعلق الآخرون بزرارة، فقال زرارة: يا بعضي سرّح بعضًا،ثم قتلوا، وآلى عمرو ليحرقن من بني درام مائة رجل .. فبعث بجيش على مقدمته عمرو بن ملقط الطائي فأخذ ثمانية وتسعين منهم - من بني دارم - ولحقه عمرو بن هند في الناس حتى انتهى إلى أوارة وهو جبل من ناحية البحرين .. وأمر الملك بأخدود فخد لهم ثم أضرم نارًا ثم قذف بهم في النار، ومن هنا سمته العرب: محرقًا (48) .
وبقي أمر الحيرة مضطربًا بعد مقتل أبي قابوس، حتى فتحها المسلمون، وأذعنت لخالد بن الوليد - رضي الله عنه -.
-وهناك إمارة كندة: في شمال نجد في دومة الجندل، ومن أشهر ملوكهم حجر الملقب بآكل المرار، وقد سيطر على القبائل الشمالية في نجد واليمامة، ثم جاء بعده حفيده الحارث الذي عين أبناءه على قبائل نجد، منهم ابنه والد امرئ القيس (حجر) الذي ساءت سيرته في بني أسد فقتلته بعد أن انهزمت كندة وغنمت أسدٌ أموالهم وفي ذلك يقول عبيد بن الأبرص (49) :
هلا سألت جموع كندة يوم ولوا أين! أينا
وأمضى امرؤ القيس بقية حياته مستعينًا بقبائل العرب من حمير وطيء يريد أن يثأر من بني أسد، ويستعيد ملك آبائه، فلم يشتف، واتجه إلى قيصر الروم ولقي حتفه بينما كان راجعًا .. ومن شعره في ذلك (50) :
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا
مكة المكرمة وغيرها من مدن الحجاز (51) :
تقوم مكة المكرمة في منتصف الطريق المعبد بين اليمن والشام حيث تمسك بزمام القوافل التجارية وتعتبر أكبر مركز ديني للوثنية عند العرب.
لقد كانت مسكنًا لجرهم وبقايا الأمم البائدة، ثم سكنها إسماعيل - عليه الصلاة والسلام - وأصهر إلى قبيلة جرهم، ثم أجلت قبيلة خزاعة قبيلة جرهم عن مكة المكرمة.
ثم نزلها قصي ومعه قبيلة قريش وأصهر إلى خزاعة، وأساءت هذه القبيلة إلى البيت العتيق فأخرجها قصي ومن معه.
كان قصي بن كلاب مطاعًا في قومه، سيدًا رئيسًا معظمًا، ولي البيت وأمر مكة وجمّع قومه من منازلهم المتفرقة، وتملك على قومه فملكوه، وأقر العرب على ما كانوا عليه من النسيء والإجازة من مزدلفة .. حتى جاء الإسلام فهدم به الله كل ذلك .. وكانت إلى قصي الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، فجاز شرف مكة كله، وقطع مكة رباعًا بين قومه فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة.
قال قائلهم في مدح قصي وشرفه (52) :
قصي لعمري كان يُدعى مجمعًا به جمع الله القبائل من فهر
همو ملأوا البطحاء مجدًا وسؤددًا وهم طردوا عنا غواة بني بكر
لم تدن مكة لأي ملك أجنبي، وفي ذلك يقول حرب بن أمية (53) :
أبا مطر هلم إلى صلاح فتكفيك الندامى من قريش
فتأمن وسطهم وتعيش فيهم أبا مطر هديت لخير عيش
وتنزل بلدة عزت قديمًا وتأمن أن يزورك رب جيش
(ولم يؤد أهل مكة في الجاهلية إتاوة قط، وفرضوا على العرب قاطبة أن يطرحوا أزواد الحل إذا دخلوا الحرم، وهم بعد أعز العرب فيتأمرون عليهم قاطبة) (54) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)