فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 6723

53 -قوله (وَعَنْ أَبِي جَمْرَةَ) بالجيم والرَّاء، نَصْر بن عمرانَ.

قوله (كُنْتُ أَقْعُدُ) إن قلت (كنت) للماضي، و (أقعد) للحال أو الاستقبال، فما وجه الجمع بينهما؟

قلتُ (أَقْعُدُ) حكاية عن الحال الماضية، فهو ماضٍ، وذُكِرَ بلفظ الحال استحضارًا لتلك الصُّورة للحاضرين.

قوله (فَيُجْلِسُنِي) عطف على (أقعد) .

إن قلت الإجلاس قبل القعود، فكيف جاء بالفاء التَّعقيبيَّة؟

قلتُ الإجلاس على السَّرير بعد القعود.

إشارة (السَّرِيرِ) جمعه أسرَّة وسُرُر بضمَّتين وجاز فتح الرَّاء السُّرور قيل هو مأخوذ من السُّرور؛ لأنَّه مجلس السرور.

قوله (مَعَهُ) هي أبلغ في المصاحبة من (عنده) .

إن قلت لم عَدَلَ عن المطابقة حيث قال (معه) ولم يقل (عنده) ؛ قلتُ للمبالغة؛ لأنَّ المصاحبة أبلغ مِنَ العِنديَّة.

قوله (أَوْ مِنَ الوَفْدِ) الظَّاهر أنَّ الشَّكَّ من ابن عبَّاس.

قوله (مَرْحَبًا) منصوب على المصدر، وهو من المفاعيل المَنْصوبة بعامل مضمر لازم إضماره، يَسْتعمله العرب كثيرًا، ومعناه صادف رحبًا؛ أي سعةً، فاستأنس ولا تَسْتوحش.

قوله (غَيْرَ) منصوب على الحال، وأشار صاحب «التَّحرير» إلى أنَّه رُوِيَ بكسر الرَّاء على الصفة.

قال الكرمانيُّ إن قلت إنَّه بالإضافة صار معرفة، فكيف يكون حالًا؟

قلتُ شرط تعريفه أن يكون المضاف ضدًّا للمضاف إليه ونحوه، وهنا ليس كذلك، انتهى.

وبدلٌ لأنَّه حال ما ورد في رواية (مرحبًا بالوفد الَّذين جاؤوا غير خزايَا ولا النَّدامى) .

إن قلت إنَّه نكرة، فكيف وقع صفة للمعرفة؟

قلتُ التَّعريف بلازم الجنس قرَّب المسافة بينه وبين النَّكرة، فحكمه حكم النَّكرة، إذ لا توقيت ولا تعيين فيه.

و (الخَزَايَا) جمع الخزيان، كسكارى وسكران، والنَّدامى جمع ندمان بمعنى النَّادم، فهو على بابه، وقيل جمع نادم، وكان الأصل نادمين، فأتبع (ندامى) بـ (خزايا) تحسينًا للكلام كما يقال لا دريتَ ولا تليت، والقياس لا تلوت.

قوله (فِيْ شَهْرِ الحَرَامِ) أي شهر الوقت الحرام.

إشارة (مُضَرَ) غير منصرف.

قوله (بِأَمْرٍ فَصْلٍ) بالصِّفة لا بالإضافة، و (الأمر) إمَّا واحد الأوامر؛ أي القول الطَّالب للفعل، وإمَّا واحد الأمور؛ أي الشَّأن.

و (فَصْلٍ) إمَّا بمعنى الفاصل، كالعدل؛ أي الفصل بين الحقِّ والباطل، وإمَّا بمعنى المفصَّل؛ أي واضح بحيث يفصل به المراد عن غيره.

قوله (مَنْ وَرَاءَنَا) أي بحسب المكان من البلاد البعيدة عن المدينة، ويُحتمَل أنَّ يُراد بحسب الزَّمان؛ أي أولادنا وأحلافنا، والظَّاهر أنَّ المراد به قومهم، وفي بعض الرِّوايات (من وراءنا) ، انتهى كلام الكرماني.

قوله (نُخْبِرُ) بالجزم جواب (فمرنا) والرَّفع على أنَّه صفة أمر.

قوله (وَنَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ) معطوف على (نخبر) ، والباء للسَّببيَّة، فإنَّ الدُّخول إنَّما هو بفضله سبحانه، والعمل الصَّالح سببه، كما أنَّ الأكلَ سبب الشِّبَعِ والمُشبِعْ هو الله سبحانه وتعالى.

قوله (وَأَنْ يُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ) إن قلتَ لم عَدَل عن لفظ المصدر الصَّريح إلى ما في معنى المصدر، وهو (أَنْ) مع الفعل المضارع؟

قلتُ إشعارًا بمعنى التَّجديد الَّذي للفعل؛ لأنَّ سائر الأركان كانت ثابتة، قيل ذلك بخلاف إعطاء الخمس، فإنَّ فريضته كانت متجدِّدة.

فائدة قال البيضاويُّ الظَّاهر أنَّ الأمور الخمسة تفسير الإيمان، وهو أحد الأمور الأربعة المأمور بهَا، والثَّلاثة النَّافية حذفها الرَّاوي نسيانًا أو اختصارًا.

ويُحتمَل أن يقال أمرهم بالإيمان ليس تفسيرًا لقوله (أمرهم بأربع) بل هو مُسْتأنف، وتفصيل الأربعة

ج 1 ص 82

المذكورة بعد الشَّهادة.

و (أقام) خبر مبتدأ محذوف، وفي الكلام تقديم وتأخير؛ أي أمرهم بالإيمان إلى آخره، ثمَّ أمرهم عقبه بأربع ونهاهم عن أربع، والمأمورات الأربع (إقام ... إلى آخره) .

وقال السَّخوميُّ شارح «المصابيح» وهذا الرجل قدم حيث.

إن قيل لو قُرِئ (وإقام الصَّلاة) ومَا بعده بالجرِّ على أنَّه معطوف على الإيمان؛ فيكون المجموع خمسة، وقد قال (أَمَرَهُمْ بأربع) ، وإن قُرِئَ بالرَّفع على أنَّه معطوف على الشَّهادة؛ يكون الجميع من الإيمان قاس من الثَّلاثة.

قلتُ أُجيبَ أنَّ الرَّسول عليه السَّلام أمرهم بالإيمان ثمَّ فسَّر الإيمان بخمسة أشياء، وواحد منها وهي الشَّهادة، ليس ممَّا يأمرهم به؛ لأنَّهم كانوا مسلمين بدليل أنَّه رحَّب بهم، وبشَّرهم أنَّهم غير خزايا ولا ندامى وأنَّهم خاطبوا الرَّسول بما فيه الشَّهادة بالرِّسالة، غير أنَّ الرَّاوي قال (أمرهم بأربع) ثمَّ قال (أمرهم بالإيمان بالله تعالى) وذكر الخمس في تفسير الإيمان؛ لعدم الالتباس بأنَّ الشَّهادة ليست فيما أمرهم بها، بل أمرهم بالخصال الَّتي ذُكِرَت بعدها ليُتلقَّوا بالقبول ويبذلوا جهدهم بالقيام بهنَّ، فلا يجوز في (إقام الصَّلاة) ومَا بعدها إلَّا الرَّفع عطفًا على الشَّهادة.

فإن قيل لو كانوا مسلمين؛ لم يقولوا (الله ورسوله أعلم) في السُّؤال عن الإيمان؛ أجيبُ بأنَّهم قالوا ذلك تأدُّبًا بين يديه وطلبًا لسماع الكلمتين منه، انتهى.

وقال النَّوويُّ عدَّ جماعةٌ الحديثَ من المُشْكلات، بحيث قال (أمرهم بأربع) ، والمذكور خمس، واختلفوا في الجواب عنه، والصَّحيح ما قاله ابن بطَّال أنَّهُ أمرهم بالأربع الَّتي وَعَدهم، ثمَّ زاد خامسةً وهي أداء الخُمُس؛ لأنَّهم كانوا مجاورين كفَّار مضر، وكانوا أهل جهاد وغنائم، وما قاله الشَّيخ ابن الصَّلاح أنَّ (وأن يُعطوا من المغنم الخمس) معطوفًا على (أربع) أي أمرهم بأربع، وبأن يعطوا والشَّهادتان في حكم واحد.

وأقول ليس الصَّحيح ذلك؛ لأنَّ البخاريَّ عقد الباب على أنَّ أداء الخُمُس من الإيمان، فلا بدَّ أن يكون داخلًا تحت أجزاء الإيمان، كما أنَّ ظاهر العطف يقتضي ذلك، بل الصَّحيح مَا قيل أنَّه لم يجعل الشَّهادة بالتَّوحيد وبالرِّسالة من الأربع لعلمهم بذلك، وإنَّما أمرهم بأربع في علمهم أنَّها دعائم الإيمان.

وجواب ثان وهو أنَّ أوَّل الأربع (إقام الصَّلاة) ، وذكر كلمة التَّوحيد؛ لأنَّها الأساس، وقد رواه البخاريُّ في (كتاب الأدب) وفيه (أقيموا الصَّلاة) وليس فيه ذكر الشَّهادة، وفي بعض طرقه حذف الصَّوم، وهو إغفال من الرَّاوي لعدم الحفظ من بعضهم.

وقال الطَّيبيُّ من عادة البلغاء أنَّ الكلام إذا كان منصَّبًا لغرض من الأغراض جعلوا سياقه له وتوجُّهه إليه كأنَّ ما سواه مرفوض مطروح، فههنا لمَّا لم يكن الغرض في الإيراد ذكر الشَّهادتين؛ لأنَّ القوم كانوا مقرِّين بهما بدليل قولهم (الله ورسوله) ، ولكن كانوا يظنُّون أنَّ الإيمان مقصورٌ عليهما، وأنَّهما كانا كافيان لهم، وكان الأمر في أوَّل الإسلام كذلك لم يجعله الرَّاوي من الأوامر، وجَعَل الإعطاء منهما؛ لأنَّه هو الغرض من الكلام، لأنَّهم كانوا أصحاب غزوات مع مَا فيه من بيان أنَّ الإيمان غير مقصور على ذكر الشَّهادتين.

وقال تقي الدين السبكي اختلف العلماء في أنَّ تؤدُّوا هل هو معطوف على الإيمان المذكور في الحديث بعد قوله أمركم بأربع، أو على (شهادة أن لا إله إلَّا الله) الَّتي هي من خصال الإيمان.

وقال الصَّحيح الثَّاني، وهو ما فهمه البخاري، ثمَّ قال وقد يقال في تفسير الإيمان بما ذكره بعده وهو الشَّهادتان والصَّلاة والزَّكاة والصَّوم وإعطاء الخمس؛ أي عطف على الإيمان خالف فهم البخاريِّ، وإن عطف على الشَّهادتين والصَّلاة والزَّكاة والصَّوم كان المأمور به خمسًا أو ستًّا، ثمَّ أجاب بأنَّه فهم أنَّ المراد أنَّ الإيمان قولٌ وهو الشَّهادتان وعملٌ وهو الأربع الصَّلاة والزَّكاة والصَّوم وأداء الخمس، وإبدال الأيمان وما بعده من الأربع بدل كلٍّ من كلٍّ، وأنَّ الإيمان الذي هو الأصل والعمود لم يحسب من الأربع، وأنَّ الأربع هي خصاله المقصودة بالأمر.

فائدة إنَّما لم يذكر الحجَّ؛ قيل لأنَّه لم يُفرَض إذ ذاك، وفيه نظر؛ لأنَّ هذا كان عام الفتح، والحجُّ فُرِضَ قبل ذلك، ويُحتمَل أن يكون معلومًا عندهم من شريعة سيِّدنا الخليل صلَّى الله عليه وسلَّم.

فائدة إن قلت السُّؤال عن بمعنى المظُّروف والجواب بالظُّروف فما وجهه؟

قلتُ المراد بإطلاق المحلِّ هو الحال؛ أي ما في (الحنتم) ونحوه، والقرينة ظاهرة.

وقال الطَّيبيُّ عن (الأشربة) أي عن ظروف الأشربة محذوف المضاف، أو عن الأشربة الَّتي تكون في الأواني المختلفة محذوفة الصِّفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت