فهرس الكتاب

الصفحة 932 من 6723

660 -قوله (فِي ظِلِّهِ) إضافة الظِّلِّ إلى الله سبحانه إضافة تشريف، أو إضافة ملك.

وكلُّ ظلِّ فهو لله وملكه.

وأمَّا الظِّلُّ الحقيقيُّ؛ فهو منزَّه عنه سبحانه؛ لأنَّه من خواصِّ الأجسام، أو ثمَّة محذوف؛ أي ظلِّ عرشه.

وقيل المقصود من الظِّلِّ الكرامة والكنف من المكاره في ذلك المَوْقف.

يقال فلان في ظلِّ فلان؛ أي في كنفه وحمايته، انتهى

وقال القاضي عيَاض وقد يراد به هنا ظلُّ الجنَّة؛ وهو نعيمها.

وقال ابن دينار المراد بالظِّلِّ هنا الكرامة والكنف.

قال القاضي وهذا أولى الأقوال، ويكون إضافته إلى العرش؛ لأنّه مكان التَّقريب والكرامة، وإلَّا بالشَّمس وسائر العالم تحت العرش.

وقال ابن أبي جَمْرة معناه يعافيهم من هول ذلك اليوم العظيم.

إشارة بدأ بالإمام العادل؛ لكثرة مصالحه وعموم نفعه، ورواه بعضهم (عَدْل) ، وهو المختار عند أهل اللُّغة ويجوز عادل على اسم الفاعل، كما يقال ضرب فهو ضارب.

وقال ابن الأثير (العَدْل) في الأصل مَصْدر سُمِّيَ به، فوضع مَوْضعَه، وهو أبلغ منه؛ لأنَّه جَعل المسمَّى نفسه عدلًا.

قوله (فِي المَسَاجِدِ) أي بالمساجد، وحروف الجرِّ يقوم بعضها مقام بعض.

قوله (فِي اللهِ) (في) قد يجيء للسَّببيَّة كما رواه في الحديثِ «في النَّفس المؤمنة مئة إبل» ؛ أي بسبب قتل النَّفس.

قوله (أَخْفَى) بلفظ الماضي، وهو جملة حاليَّة بتقدير (قد) ، وبلفظ المَصْدر؛ أي مخفيًّا.

و (لَا تَعْلَمَُ) بالرَّفع نحو مرض حتَّى لا يرجونه، وبالنَّصب نحو سرتُ حتَّى مغيب الشَّمس.

قوله (فَفَاضَتْ عَينَاهُ) إن قلتَ العين لا تفيض بل الفائض هو الدَّمع.

قلتُ أسند الفيض إلى العين مبالغة، كأنَّها هي الفائض، وذلك كقوله تعالى {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} [المائدة83] .

إشارة قوله (عَلَيهِ) أي على حبِّ الله، يَعْني كان سبب اجتماعهما حبَّ الله، واستمرَّا عليه حتَّى تفرَّقا من مجلسهما.

إن قلتَ التَّفاعل هو لإظهار أنَّ أصل الفعل حاصل له، وهو صنفٌ ولا يريد حصوله، نحو تجاهلتُ.

قلتُ يجيء لغير ذلك، نحو باعدته فتباعَدَ.

قوله (إِنِّي أَخَافُ اللهَ) يحتمَل أنَّه قال

ج 1 ص 336

بلسانه أو بقلبه ليزجر نفسه.

ومعنى (دَعَتْهُ) أي إلى الزِّنا بهَا، ويُحتمَل كما قال القاضي عيَاض أنَّها دعته إلى نكاحها فخاف العجز عن القيام بحقِّها، والصَّواب الأوَّل.

وقوله (مَنْصِبٍ) ذات الحسب والنَّسب الشَّريف، وخصَّها بالذِّكر لكثرة الرَّغبة فيهَا وعسر حصولها، لا سيَّما وهي طالبة وقد أغنت عن مراودته ونحوها، فالصَّبر عنهَا لخوف الله تعالى من أكمل المراتبِ وأعظم الطَّاعات.

فائدة مجموع من وقفتُ عليه ممَّن يظلُّه الله تعالى في ظلِّه

رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عَيْناه.

رجل قلبه معلَّق في المساجد من شدَّة حبِّه إيَّاها.

رجل يحبُّ عبدًا لا يحبُّه إلَّا لله.

إمام مقسط في رعيَّته.

رجل يعطي الصَّدقة بيمينه يكاد يخفيها عن شماله.

رجل عرضتْ عليه امرأة نفسَها ذات منصب وجمال فتركها لله.

رجل كان في سريَّةٍ مع قوم فأتوا العدوَّ فانكشفوا فحمى آثارهم حتَّى نجوا ونجى أو استشهد.

شابٌّ نشأ في عبادة الله تعالى.

من أنظر معسرًا أو وضع عنه.

من أعان مجاهدًا في سبيل الله أو غارمًا في غرمته أو مكاتبًا في رقبته.

من أظلَّ رأس غازٍ.

الوضوء على المكاره.

المشي إلى المساجدِ.

إطعام الجائع.

أعان أخرق.

التَّاجر الصَّدوق.

من حسن خلقه.

من كفل يتيمًا أو أرملة.

الَّذين إذا سُئِلوا الحقَّ بذلوه.

من حكم للنَّاسِ كحكمه لنفسه.

من أطعم الجائع حتَّى يشبع.

الحزين.

الوالي العادل.

من لا يكون على المؤمنين غليظًا.

الَّذي يُصَبِّر الثَّكلى.

من أحبَّ سنَّته وفرَّج عن مكروب أمَّته وأكثر الصَّلاة عليه.

الشَّهيد المريض.

والعائد والرَّحم.

والأمانة.

والقرآن.

وأخرج أبو نعيم عن أبي أمامة مرفوعًا «ذراري المسلمين يوم القيامة تحت العرش شافعين مشفَّعين» .

وقد نظم شيخنا الخصال الَّتي وقف عليها، ثمَّ أنشد في ذلك، لكن استقرَّ نظمه الآن على غير الكيفيَّة الَّتي أنشدني، فأوردت مَا استقرَّ عليه

~وزد سَبْعة إظلال غاز وعونه وإنظار ذي عسر وتخفيف حمله

~وحامي غزاة حين ولَّوا وعون ذي غرامة حقٍّ مع مكاتب أهله

~وزد عشرة لكن بضعفٍ إعانة لأخرق مع أخذٍ لحقٍّ وبذله

~وكره وضوء ثمَّ ممشى لمسجدٍ وتحسين خلق ثمَّ مُطْعم فضله

~وكافل ذي يتم وأرملة وَهَتْ وتاجر صدق في المقالِ وفعله

~وكمِّل بحزن القلب والنُّصح للَّذي يلي الأمر واقرن كلَّ شكلٍ بشكله

وقد عبَّر بذلك شيخنا، قال

~وزد مع ضعف سبعين إعانة لأخرق مع أخذ بحقٍّ وبذله

~وكره وضوء ثمَّ ممشى لمسجد وتحسين خلق ثمَّ مطعم فضله

~وكافل ذي يتم وأرملة وهت وتاجر صدق في المقال وفعله

~وحزن وتصبير ونصح ورأفة تربَّع بها السَّبعات من فيض فضله

قلتُ وأخرج أبو الشَّيخ عن أنس مرفوعًا «ثلاثة في ظلِ العرش يوم القيامة يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه واصل الرَّحم يزيد الله في رزقه ويمدُّ في أجله، وامرأة مات زوجها وترك عليها أيتامًا صغارًا، فقالت لا أتزوَّج أقيم على أيتامي حتَّى يكبروا أو يغنيهم الله، وعبد صنع طعامًا فأضاف صنعة وأحسن صنعه فدعا إليه اليتيم والمسكين فأطعمهم لوجه الله» .

وأخرج الدَّيلميُّ والطَّبرانيُّ في «الكبير» عن أبي أمامة مرفوعًا «ثلاثة في ظلِّ العرش يوم القيامة رجل حيث توجَّه علم أنَّ الله معه، ورجل دعته امرأة إلى نفسها فتركها من خشيةِ الله، ورجل يحبُّ النَّاس لجلال الله» .

وعن أبي هريرة مرفوعًا «أهل الجوع في الدُّنيا هم الَّذين يقبض الله أرواحهم، وهم الَّذين إذا غابوا لم يُفْتقَدوا، وإذا شهدوا لم يُعْرَفوا أخفياء في النَّاس معروفون في السَّماء إذا رآهم الجاهل ظنَّ بهم شيء وما بهم سوء إلَّا الخوف من الله يستظلُّون يوم القيامة يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه» ؛ أخرجه الدَّيلميُّ.

وأخرج الدَّيلميُّ مرفوعًا عن عليٍّ «حملةُ القرآن في ظلِّ الله يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه مع أنبيائه وأصفيائه» .

وفي «مشيخة ابن شاذان» عن أبي هريرة مرفوعًا «سبعة يظلُّهم الله تحت ظلِّ عرشه ورجلٌ تعلَّم القرآن في صغره فهو يتلوه في كبره» .

وأخرج الأصبهانيُّ في «ترغيبه» عن ابن عمر مرفوعًا «ثلاثة يتحدَّثون في ظلِّ العرش آمنين والنَّاس في الحساب رجل لم تأخذه في الله لومة لائم، ورجلٌ لم يمدَّ يديه إلى ما لا يحلُّ، ورجلٌ لم ينظر إلى ما حرَّم الله عليه» .

وفي «الطَّبرانيِّ الكبير» عن ابن عمر أنَّ رجلًا من الأنصار كان له ابن يروح معه، فسأله رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم «أتحبُّه؟» فقال يا نبيَّ الله! نعم، فأحبَّك الله كما أحبُّه، فقال «إنَّ الله أشدُّ حبًّا لي منه له» ، فلم يلبث أن مات ابنه، فراح إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال «أجزعتَ؟» قال نعم، قال «أما ترضى أن يكون ابنك مع ابني إبراهيم يلاعبه تحت ظلِّ العرش؟» قال بلى.

وقال موسى عليه السَّلام أي ربِّ! من يظلُّ تحت عرشك يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّك؟ قال يا موسى! الَّذين يعودون المريض، ويشيِّعون الهلكى، ويعزُّون الثَّكلى. أخرجه ابن أبي الدُّنيا.

وأخرج ابن أبي الدُّنيا «الصَّائمون في ظلِّ العرش» .

وأخرج الكنجروذيُّ «شيعة عليٍّ سابقون إلى ظلِّ العرش ومحبُّوه» .

وعن ابن عبَّاس «من قرأ ثلاث آيات من أوَّل سورة الأنعام؛ قال الله امش في ظلِّي إلى الجنَّة» .

قال موسى إلهي! ما جزاء من ذكرك بلسانه وقلبه؟ قال يا موسى! أظلُّه يوم القيامة بظلِّ عرشي وأجعله في كنفي.

وعن زيد بن أسلم أنَّ موسى عليه السَّلام قال يا ربِّ! أخبرني بأهلك الَّذين هم أهلك، الَّذين تؤويهم في ظلِّ عرشك يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّك، قال هم الطَّاهرة قلوبهم، البريئة أيديهم الَّذين يتحابُّون بجلالي، الَّذين إذا ذُكِرتُ؛ ذُكِرُوا بي، وإذا ذُكِرُوا؛ ذُكِرتُ بهم، الَّذين يسبغون الوضوء على المكاره، وينيبون إلى ذكري كما تنيب النُّسور وإلى وكرها، الَّذين يغضبون لمحارمي إذا استُحلَّت كما يغضب النَّمر، والَّذين يكلفون بحبِّي كما يكلف الصَّبيُّ بحبِّ النَّاس، الَّذين يعمِّرون مساجدي ويستغفرون بالأسحار»؛ أخرجه ابن أبي الدُّنيا.

وعن كعب أوحى الله إلى موسى في التَّوراة يا موسى! من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ودعى النَّاس إلى طاعتي؛ فله صحبتي في الدُّنيا وفي القبر وفي القيامة ظلِّي؛ أخرجه أبو نعيم.

وعن ابن مسعود قال أنَّ موسى لمَّا قرَّبه الله نجيًّا؛ أبصر عبدًا جالسًا في ظلِّ العرش سأله؛ أي ربِّ! من هذا؟ قال عبد لا يحسد النَّاس على ما آتاهم الله من فضله، برٌّ بالوالدين، لا يمشي بالنَّميمة؛ أخرجه ابن عساكر في «تاريخه» .

وأخرج الإمام أحمد عن عتبة بن عبد مرفوعًا «القتلى ثلاثة رجل مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتَّى إذا لقي العدوَّ؛ قاتلهم حتَّى يُقتَل، فذلك الشَّهيد المفتخر في خيمة الله تحت عرشه، لا يفضله النَّبيُّون إلَّا بدرجة النُّبوَّة» .

وعن ابن عبَّاس مرفوعًا «اللَّهمَّ اغفر للمعلِّمين وأطل أعمارهم وأظلَّهم تحت ظلِّك، فإنَّهم يعلِّمون كتابك المنزل» أخرجه الخطيب.

وعن أبي الدَّرداء قال موسى يا ربِّ! من يساكنك في حضيرة القدس، ومن يستظلُّ بظِّلك يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّك؟ قال أولئك الَّذين لا ينظرون بأعينهم إلى الزِّنا، ولا يبتغون في أموالهم الرِّبا، ولا يأخذون على أحكامهم الرِّشا، أولئك طوبى لهم وحسن مآب؛ أخرجه البيهقيُّ.

وعن أبي هريرة مرفوعًا «ثلاثة يظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه التَّاجر الأمن، والإمام المقتصد، وراعي الشَّمس بالنَّهار» وأخرجه الحاكم، انتهى

وفي صلاة الإمام من «إحياء علوم الدِّين» للغزاليِّ من صلَّى يوم السَّبت _فذكر ركعات_ كان في ظلِّ العرش.

ومن أراد عزو كلِّ حديث إلى مكانه؛ فليراجع كلام شيخنا في «أماليه» ، وهو الإملاء الخامس بعد المئة.

وقال أبو شامة

~وقال النَّبيُّ المصطفى أنَّ سبعة يظلُّهم الله العظيم بظلِّه

~محبٌّ عفيف ناشئ متصدِّق وباك مصلٍّ والإمام بعدله

خاتمة

(الإِمَامُ العَادِلُ) الواضع كلَّ شيء في مَوْضعه، وقيل المتوسِّط بين طرفي الإفراط والتَّفريط سواء كان في العقائد أو في الأعمال أو في الأخلاق، وقيل الجامع أمَّهات من كمالات الإنسان الثَّلاث؛ وهي الحكمة والشَّجاعة والعفَّة الَّتي هي أوساط القوى الثَّلاث؛ أعني القوَّة العقليَّة والغَضَبيَّة والشَّهوانيَّة، وقيل المطيع لأحكام الله تعالى، وقيل المراعي لحقوق الرَّعيَّة، وهو عامٌّ في كلِّ من إليه نظر في شيء من أمور المسلمين من الولاة والحكَّام.

وقوله (شَابٌّ) لم يقل بدله (رجلٌ) ؛ لأنَّ العبَادةَ

ج 1 ص 337

في الشَّابِّ أشدُّ وأشقُّ؛ لكثرة الدَّواعي وغلبة الشَّهوات وقوَّة البواعث على مُتابعةِ الهوى.

وقالوا ذكر اليمين والشِّمال مبالغة في الإخفاء والإسرار بالصَّدقة، وضرب المثل بهما لقرب اليمين من الشِّمال، أو لملازمتها لها، ومعناه لو قُدِّرَت الشِّمال رجلًا متيقِّظًا؛ لما علم صدقة اليمين؛ لمبالغته في الإخفاء.

وقال بعضهم المراد من (عن شماله) من على شماله من النَّاس، وهذا في صدقة التَّطوُّع، إذ الواجبة إعلانها أفضل.

وقوله (خَالِيًا) إذ حينئذ يكون خالصًا لله تعبيرًا عن شائبة الرِّياء.

إن قلتَ المذكور ثمانية لا سَبْعة؛ لأنَّه قال ورجلان تحابَّا؛ قلتُ لمَّا كان المحبَّة أمرًا نسْبيًّا لا بدَّ لها من المُنْتسبين؛ ذكرها كذلك، والمراد رجلٌّ يحبُّ غيره في الله، وهذا ليس مختصًّا بالرِّجال بل بالنِّساء أيضًا كذلك.

وقال أكثر الأصوليِّين أحكام الشَّرع عامَّة لجميع المكلَّفين، وحكمه على الواحد حكم على الجماعة إلَّا ما دلَّ الدَّليل على خصوصِ البعضِ.

وأمَّا التَّخصيص بذكر هذه السَّبْعة؛ فيحتمل أن يقال فيه ذلك؛ لأنَّ الطَّاعة إمَّا أن تكون بين العبد وبين الله تعالى، أو بينه وبين الخلق، والأوَّل إمَّا أن يكون باللِّسان أو بالقلب أو بجميع البدن.

والثَّاني إمَّا بأن يكون عامًّا، وهو العدل، أو خاصًّا، وهو إمَّا من جهة النَّفس؛ وهو التَّحابُّ وهو من المهمَّات، وهو من الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت