52 -فائدة (أبو نعيم) الفضل بن دلين؛ بالدَّال المهملة، كان يأخذ على الحديث شيئًا، فقال يلومونني على الأخذ وفي بيتي ثلاثة عشر وما ببيتي رغيف.
ورُؤِيَ في المنام، فقيل له ما فعل الله سبحانه بك؟ يعني فيما كنت تأخذ على الحديث، قال نظر القاضي في أمري، فوجدني ذا عيال، فعفى عنِّي.
و (زَكَرِيَّاءُ) ممدود ومقصور.
تنبيه نُقِلَ عن يحيى بن مَعين وأهل المدينة أنَّه لا يصحُّ للنُّعمان سماع من النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ويردُّه هذا الحديث فإنَّ فيه التَّصريح بسماعه، وكذا رواية «مسلم» وأهوى النُّعمان بأصبعه إلى أذنيه، وهو ما صحَّحه أهل العراق، وليس في الصَّحابة النُّعمان ابن بشير فهو من الأفراد، وفي أوَّل (كتاب البيع) خرَّجه من طرق، قاله القابسيُّ ردًّا على من قال إنَّه لم يسمع منه عليه السَّلام.
قال الكرمانيُّ وهو ممَّن يحمل عن الشَّارع عليه السَّلام صبيًّا وأدَّاه بالغًا.
قوله (وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ) كذا هنا، وفي (البيوع) أمورٌ مشتبهةٌ، وجاء أيضًا (مشتبهات ومتشبِّهات) وكلُّه بمعنى مشكلات؛ لما فيه من شبه طرفين مخالفين، وتشتبه (تفتعل) أي يُشكل، ومنه {إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [البقرة70] .
وأمَّا قوله تعالى {مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران7] فمعناه في الصِّدق والحكمة غير متناقض.
وقال الكرمانيُّ (مُشتبهات) ضُبِطَ بلفظ الفاعل من الإفعال والتَّفعيل والافتعال، وبلفظ المفعول من الأوَّلين، ومعناه مشتبهات أنفسها بالحلال، أو مشبَّهات بالحلال.
واختُلِفَ في المراد بالمتشابهات الَّتي ينبغي اجتنابها على أقوال
الأوَّل أنَّه الَّذي تعارضت فيه الأدلَّة، فاشتُبِه أمره، وبه جزم القرطبيُّ، ثمَّ ذكر في حكمه أقوالًا
الأوَّل حرمته؛ لأنَّه يُوقِع في الحرام، الثَّاني كراهته، والورع تركه، الثَّالث يتوقَّف منه؛ وصوَّب الثَّاني؛ لأنَّ الشَّرع أخرجها من الحرام، فهي مرتاب فيهَا، وصحَّ «دع ما يريبك إلى ما يريبك» وهذا هو الوَرَع، وقول من قال إنَّها حلال يُتورَّع عنها، ليس بجيِّد؛ لأنَّ أقلَّ مراتب الحلال استواء الفعل والتَّرك.
وهذه الأقوال حكاها عياض عن أهل الأصول، وقال النَّوويُّ والظَّاهر أنَّها مخرَّجة على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل وُرود الشَّرع، وفيه مذاهب؛ أصحُّها لا يحكم بشيء.
الثَّاني الإباحة، الثَّالث المنع، القول الثَّاني أنَّ المراد المكروهات؛ قاله الخطَّابيُّ والمازريُّ وغيرهما.
والثَّالث أنَّها المباح وهو مردود كما سلف، وزُهد الأوَّلين فيه محمول على موجب شرعيٍّ اقتضى ذلك خوف الوقوع فيما نكره، إمَّا من الميل إلى الدُّنيا، وإمَّا من الحساب عليه وعدم القيام بالشَّكر لا حقيقة المباح المتساوي.
(لَا يَعْلَمُهَا كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ) أي بسبب اشتباهها على بعضهم دون بعضٍ، لا أنَّها في نفسها مشتبهة على كلِّ النَّاس، لا شأن لها، فإنَّ العلماء يعرفونها؛ لأنَّ الله تعالى جعل عليها دلائل يعرفها بها أهل العلم، ولكن كلَّ أحد لا يقدر على تحقيق ذلك، وهذا نفي علمها عن كثير من النَّاس لا عن كلِّ النَّاس، أو أحد من النَّاس، انتهى.
الخطَّابيُّ كلُّ شيء يشبه الحلال من وجهٍ، والحرام من وجهٍ؛ فهو شبهة، فالحلال البيِّن ما عُلِمَ ملكه يقينًا لنفسه، والحرام البيِّن ما عُلِمَ ملكه لغيره يقينًا، والشُّبهة ما لا يدري أهو له أو لغيره، فالورع اجتنابه.
ثمَّ الورع على أقسام واجب؛ كالَّذي قلناه، ومُسْتحبٌّ؛ كاجتناب معاملة من أكثر ماله حرام، مكروه؛ كالاجتناب عن قبول رُخَص الله سبحانه والهدايا، ومن جملته أن يدخل الرَّجل الخراسانيُّ مثلًا بغدادَ، فربَّما تزَّوج بها ووُلِدَت له بنتًا فتكون هذه المنكوحة أختًا لها.
ج 1 ص 79
قوله (مَنْ وَقَعَ) يحتمل أن تكون شرطيَّة، وأن تكون موصولة، وتقدير الكلام فهو كراعٍ، وكان كراعٍ، و (يَرْعَى) صفة، و (يُوْشِكُ) بكسر الشِّين، إمَّا صفة أو استئناف.
قوله (إِذَا صَلَحَتْ) بفتح اللَّام وضمِّها، وكذلك (فَسَدَتْ)
إن قلت بدخول (إذا) لا بدَّ أن يكون متحقِّق الوقوع، وههنا الصَّلاح غير محقَّق لاحتمال الفساد، وبالعكس؛ قلتُ هو ههنا بمعنى (إنْ) بقرينة ذكر المقابل.
قوله (أَلَا وَهِيَ القَلْبُ) للقلب سبعة أطوار
الأوَّل يُسمَّى صدرًا، وهو مَعْدن الإسلام {أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} [الزُّمر22] ، وإن لم يتَّصف به مَعْدن الكفر، {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا} [النَّحل106] ومحلُّ وساوس الشَّيطان وتسويل النَّفس الَّذي توسوس في صدور النَّاس، وهو جلدة القلب.
الثَّاني تُسمَّى قلبًا، وهو مَعْدن الإيمان، {أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوْبِهِمُ الإِيْمَانَ} [المجادلة22] ، ومحلُّ معدن العقل، {لَهُمْ قُلُوْبٌ يَعْقِلُوْنَ بِهَا} [الحج46] ومحلُّ الرُّؤية؛ {وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوْبُ الَّتِيْ فِي الصُّدُورِ} [الحج46] .
الثَّالث يُسمَّى شغافًا؛ وهو مَعْدن المحبَّة والعشق الَّذي هو غاية المحبَّة والشَّفقة على الخلق؛ {قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} [يوسف30] ؛ أي شغفها حبُّه؛ أي خرق حبُّه شغاف قلبها حتَّى وصل إلى الفؤاد.
الرَّابع يُسمَّى الفؤاد، وهو معدن المشاهدة ومحلُّ الرُّؤية الإلهيَّة؛ {مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى} [النَّجم11] .
الخامس يُسمَّى حَبَّة القلب، وهي معدن محبَّة الحضرة الإلهيَّة.
السَّادس يُسمَّى سويداء القلب، وهي مَعْدن المكاسبات الغَيْبيَّة ومحلُّ العلوم الدِّينيَّة ومنبع الأسرار الإلهيَّة.
السَّابع المهجة وهي مَعْدن طيور أنوار التَّجلِّي؛ قاله الشَّيخ قوام الدِّين البسطاميُّ.
تنبيه مَا يقول النَّاسُ أنَّه حديثٌ وهو (ما وسعتني سماواتي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن) هذا ليس بحديث، بل هو أثر، وقد تكلَّم عليه بعض المتأخِّرين، فقال القلوب ثلاثة
قلب خالٍ من الإيمان وجميع الخير فذلك القلب مظلم قد استراح الشَّيطان عن إلقاء الوساوس إليه؛ لأنَّه قد اتَّخذه بيتًا ووطنًا ويحكم فيه بما يريد وتمكَّن منه غاية التَّمكُّن.
القلب الثَّاني قلبٌ محشوٌّ بالإيمان قد استنار بنور الله سبحانه، وأوقد مصباحه لكن عليه ظلمات الشَّهوة وتراصف الأهوية.
قلبٌ يظان هناك إقبال وإدبار ومحاولات وطوائع بالحرب سجال، وتختلف أحوال هذا الصِّنف بالقلَّة والكثرة، فمنهم من أوقات غلبته لعدوِّه أكثر، ومنهم من أوقات غلبة عدوِّه له أكثر، ومنهم من هو تارة وتارة.
والثَّالث قلبٌ محشوٌّ بالإيمان قد استنار بنور الإيمان وانقشعت عنه حُجُب الشَّهوات، وأقلعت عنه تلك الظُّلمات، فلنوره في صَدْره إشراق، ولذلك الإشراق اتِّقاد لو دنا منه الوسواس أُخرِجَ فهو كالسَّماء الَّتي حُرِسَت بالنُّجوم، ولو دنا منها الشَّيطان ليتخطَّاها؛ رُجِمَ فاحترق، وليست السَّماء بأعظم حرمة من المؤمن، وحراسة الله له أتمُّ من حراسة السَّماء، والسَّماء متعبَّد الملائكة ومستقرُّ الوحي، ومنهَا أنوار الطَّاعات، وقلب المؤمن مستقرُّ التَّوحيد والمحبَّة والمعرفة والإيمان، وفيه أنوارها فهو حقيق أن يُحرَس
ج 1 ص 80
ويُحفظ من كيد العدوِّ فلا ينال منه شيئًا إلَّا على غرَّة وغفلة، وقد مُثِّل بمثال حسن وهو ثلاثة بيوت
بيت للملك فيه كنوزه وذخائره وجواهره.
وبيت للعبد فيه كنوز العبد وذخائره وجواهره، وليس فيه ذخائر الملك وجواهره.
وبيت خال صِفرٌ لا شيء فيه، فجاء اللِّصُّ ليسرق من أحد البيوت؛ فإن قلت من البيت الخالي؛ كان محالًا؛ لأنَّ البيت الخالي ليس فيه شيء يُسْرَق، ولهذا قيل لابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما أنَّ اليهود تزعم أنَّها لا توسوس في صلاتها، فقال (وما يصنع الشَّيطان بالقلب الخراب؟!) .
وإن قلت يَسْرق من بيت الملك؛ كان ذلك كالمستحيل الممتنع، فإنَّ عليه من الحرس ما لا يستطيع اللِّصُّ الدُّنوَّ منه، كيف وحارسه الملك نفسه؟ وكيف يستطيع اللِّصُّ الدٌّنوَّ من الحرس والجند؟ فلم يبقَ للِّصِّ إلَّا البيت الثَّالث، فهو الَّذي تُشَنُّ عليه الغارات، فنزل هذا المثال على القلوب، فإنَّها على منواله، فقلبٌ خلا من الخير كلِّه وهو قلبٌ الكافر والمنافق فذلك بيت الشَّيطان، وقد أحرزه لنفسه واتَّخذه وطنًا فأيُّ شيء يُسرَق منه وفيه ذخائره ووساوسه.
وقلب قد امتلأ من جلال الحقِّ ومراقبته، فأيُّ شيطان يجد مخترق على هذا القلب وإن أراد سرقة شيء منه فماذا يسرق؟ فغايته أن يخطف على غرَّة من العبد وغفلة إذ هو بشر، وأحكام البشريَّة جارية عليه من الغفلة والسَّهو والذُّهول، فهذا معنى ما تقدَّم في الأثر.
وقلب فيه توحيد الله ومعرفته وفيه شهوات النَّفس ودواعي الهوى، وقلبه بين هذين الدَّاعيَيْن، فمرَّة يميل بقلبه إلى داعي الإيمان والمعرفة والمحبَّة لله، ومرَّة يميل بقلبه إلى داعي الشَّيطان والطِّباع، فهذا القلب للشَّيطان فيه مطمع، وله فيه مناولات ووقائع، فيعطي الله تعالى النَّصر لمن يشاء، وهذا لا يتمكَّن الشَّيطان منه إلَّا بما عنده من سلاحه، فيدخل إليه الشَّيطان فيتَّخذ سلاحه عنده، فيأخذه فيقاتله به، فإن كان عند العبد عدَّة من الإيمان فقاومه بتلك العدَّة ومزيد عليه انتصف من الشَّيطان، وإلَّا فالدَّولة لعدوِّه عليه، فإذا أذن العبد لعدوِّه وفتح له باب بيته وأدخله عليه ومكَّنه من السِّلاح ليقاتله به؛ فهو الملوم، قال الشَّاعر
~فنفسك لُمْ ولا تَلُمِ المطايا ومت كَمَدًا فليس لك اعتذار
انتهى.
وقد رأيتُ بخطِّي ولكن لا أدري من أين أخذته.
قال بعضهم معناه جعلنا قلب الإنسان مثابة يرجع إليه طلَّابي وزوَّاري كما يرجعون إلى الكعبة في الصُّورة، ومأمنًا للسَّالك من تصرُّفات الشَّيطان ومكائده حتَّى بلغ منزل القلب وحصل له سلوك مقاماته، فإنَّ الشَّيطان لا يقدر على دخول القلب؛ لأنَّ القلب خزانة الحقِّ، والخزانة محروسة بحراسة قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرَّحمن، وإنَّما جولان الشَّيطان في مَبَادئ الصُّدور؛ لقوله تعالى {يُوَسْوِسُ فِيْ صُدُوْرِ النَّاسِ} [النَّاس5] ، انتهى.
فائدتان الأولى ادَّعى بعضهم أنَّ التَّمثيل من كلام الشَّعبيِّ وأنَّه مُدْرج في الحديث؛ حكى ذلك أبو عمرو الدَّاني، ولم أقف على دليله إلَّا ما وقع عند ابن الجارود والاسماعيليُّ من رواية ابن عون عن الشَّعبيِّ، قال ابن عون في آخر الحديث لا أدري المثل من قول الشَّارع أو من قول الشَّعبيِّ.
قلتُ تردُّد ابن عون في رفعه لا يستلزم كونه مدرجًا؛ لأنَّ الأثبات قد جزموا باتِّصاله ورفعه، فلا يقدح شكُّ بعضهم فيه، وكذلك سقوط المثل من رواية بعض الرُّواة كأبي فروة عن الشَّعبيِّ لا يقدح فيمن أثبته؛ لأنَّهم حفَّاظ.
ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في حذف قوله (وقع في الحرام) ليصير ما قبل المثل مرتبطًا به فَيَسْلَمُ من دعوى الإدراج، وممَّا يقوِّي عدم الإدراج رواية ابن حبَّان الماضية، وكذا ثبوت المثل مرفوعةً في رواية ابن عبَّاس وعمَّار بن ياسر.
الثَّانية لم تقع هذه الزِّيادة الَّتي أوَّلها «ألا وإنَّ في الجسد مضغة» إلَّا في رواية الشَّعبيِّ، ولا هي في أكثر الرِّوايات عن الشَّعبيِّ، إنَّما تفرَّد بها في «البخاريِّ» و «مسلم» زكريَّا، وتابعه مجاهد عند أحمد، ومغيرة وغيره عند الطبرانيِّ وعبَّر في بعض روايته عن الصَّلاح والفساد بالصِّحَّة والسَّقم، ومناسبتها لما قبلها بالنَّظر إلى أنَّ الأصل في الاتِّقاء والوقوع هو ما كان بالقلب؛ لأنَّه عماد البدن.
وعظَّم العلماء أمر هذا الحديث فعدُّوه رابع أربعة تدور عليها الأحكام كما نقل عن أبي داود، وفيه البيتان المشهوران
~عمدة الدِّين عندنا كلمات مسندات من قول خير البريَّة
~اترك المشبَّهات، وازهد، ودَعْ ما ليس يعنيك، واعمل بنيَّة
والمعروف عن أبي داود عدُّ «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه» الحديث، بدل «ازهد فيما في أيدي النَّاس» ، وجعله بعضهم ثالث ثلاثة حذف الثَّاني.
وأشار ابن العربيِّ إلى أنَّه يمكن أن يُنتزع منه وحده جميع الأحكام، قال القرطبيُّ لأنَّه اشتمل على التَّفصيل بين الحلال وغيره، وعلى تعلُّق جميع الأعمال بالقلب، فمن هنا يمكن أن تردَّ جميع الأحكام إليه.
وقال الغزاليُّ السَّلاطين في زماننا ظَلَمَة، قلَّما يأخذون شيئًا على وجهه بحقِّه، فلا يحلُّ معاملتهم، ولا معاملة من يتعلَّق بهم، حتَّى القضاة ولا التِّجارة في الأسواق الَّتي بنوها بغير حقٍّ، واستبراء الدِّين والورع واجتناب الرَّبط والمدارس والقناطر الَّتي أنشأوها بالأموال الَّتي لا يُعلَم مالكها عافانا الله تعالى منها.
ج 1 ص 81