617 -قوله (أَصْبَحْتَ) أي دخلتَ في الصَّباح، وهي [1] تامَّة لا تحتاج إلى خبر؛ قاله الكرمانيُّ، واستشكل؛ لأنَّه جَعَل أذانه غاية للأكل، فلو لم يؤذِّن حتَّى يدخل الصَّباح؛ للزم فيه جواز الأكل بعد طلوع الفجر، والإجماع على خلافه إلَّا من شذَّ كالأعمش.
وأجاب ابن حبيب وابن عبد البرِّ والأصيليُّ وجماعة بأنَّ المراد؛ قاربتَ الصَّباح ويعكر على هذا الجواب أنَّ في رواية الرَّبيع، ولم يكن يؤذِّن حتَّى يقول له النَّاس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر أذِّن، وأبلغُ في ذلك ما في البخاريِّ، فإنَّه لا يؤذِّن حتَّى يَطْلع الفجر.
وإنَّما قلتُ إنَّهُ أبلغُ لكون جميعه من كلام الشَّارع.
وأيضًا فقوله (إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ) يُشعِر أنَّ ابن أمِّ مكتوم خلافه، ولأنَّه لو كان قبل الصُّبح؛ لم يكن بينه وبين بلال فرق؛ لصدق أنَّ كلًّا منهما أذَّن قبل الوقت، وهذا الموضع عندي في غايةالإشكال.
وأقرب ما يقال فيه أنَّ أذانه جُعِلَ علامة لتَحْريم الأكل لا للتمادي فيه، وكأنَّه كان له من يراعي الوقت بحيث يكون أذانه مقاربًا لابتداء طلوع الفجر، وهو المراد بالبزوغ، وعند أخذه في الأذان يَعْترض الفجر في الأفق، ثمَّ ظهر لي أنَّه لا يلزم من كون المراد بقولهم (أصبحتَ) _أي قاربت الصَّباح_ وقوع أذانه قبل الفجر؛ لاحتمال أن يكون قولهم ذلك يقع في آخر جزء من اللَّيل، وأذانه يقع في أوَّل جزءٍ من طلوع الفجر، وسيأتي كلام ابن الملقِّن.
فيه دليل على جواز الأكل بعد النِّيَّة، إذ معلوم أنَّ النِّيَّة لا تجوز بعد طلوع الفجر، فدلَّ على أنَّها سابقة.
[فائدة حديث ابن أمِّ مكتوم في الأذان فيه جواز تقليد البصير للأعمى في الوقت، وجواز اجتهاده فيه، فإنَّ الأعمى لا بدَّ له من طريق يَرْجع إليه في طلوع الفجر إمَّا سماع من بصير أو اجتهاد، وفي الصَّحيح أنَّه كان لا يؤذِّن حتَّى يقال له أصبحتَ أصبحت؛ أي قاربتَ الصَّباح كما صحَّحه عياض، وفيه حتَّى يطلع الفجر ودخلتَ في الصَّباح، فهذا دليل على رجوعه إلى البصير، ولو لم يرد ذلك؛ لم يكن في هذا اللَّفظ دليل على جواز رجوعه إلى الاجتهاد بعينه؛ لأنَّ الدَّالَّ على أحد الأمرين منهما لا يدلُّ على واحد منهما معيَّنًا، وهذه المَسْألة عندنا فيها أوجه
أوَّلًا أنَّ للأعمى والبصير اعتماد المؤذِّن الثِّقة العارف في الصَّحو والغيم؛ لأنَّه لا يؤذِّن في العادة إلَّا في الوقت، وصحَّحه النَّوويُّ في كتبه.
ثانيًا لا يجوز لهما؛ لأنَّه اجتهاد، وهما مجتهدان، وقال الماورديُّ أنَّه المَذْهب.
ثالثًا يعتمده الأعمى مطلقًا ويصير في صحو دون غيم، وَهُوَ مَا صَحَّحه الرَّافعيُّ؛ لأنَّه في الغيم مجتهد وفي الصَّحو مشاهد.
رابعًا يجوز للأعمى دون البصير من غير فرق بين الصَّحو والغيم.
خامسًا لو كَثُرَ المؤذِّنون في يوم صَحْوٍ أو غيمٍ وغَلَبَ على الظَّنِّ أنَّهم لا يخطؤون لكثرتهم؛ جاز اعتمادهم للبصير والأعمى بلا خلاف.
وفيه دليل على أنَّ ما بعد طلوع الفجر من النَّهار وفيه ثلاثة مذاهب
الأوَّل أنَّه من اللَّيل، والثَّاني أنَّه من النَّهار؛ وهو قول الجمهور، والثَّالث أنَّه منفرد بنفسه ليس من واحد منهما؛ لأنَّه زمان ولوج اللَّيل، وينتقص بزمان ولوج النَّهار وهو وقت المَغْرب، وعُزِيَ الأوَّل إلى الأعمش والشَّعبيِّ وحكاه المحبُّ الطَّبريُّ عن الشيخ من أصحابنا، ولعلَّه التبس عليه بالشَّعبيِّ، فإنَّه القائل بذلك، وممَّن حكاه عنه الماورديُّ أو التبس على النَّاسخ.
فائدة حديث «إنَّ بلالًا يؤذِّن بليل» الباء بمعنى (في) ، وفيه زيد بالبصرة؛ أي فيها هذا في ظرف المكان، وذلك في ظرف الزَّمان.
في «مُسْند أحمد» و «صحيح ابن حبَّان» عكس هذا من حديث أنيسة بنت حبيب، وكذا في «صحيح ابن خزيمة» من حديث عائشة، وقالا لا يجوز أن يكون بينهما نُوَب، وأمَّا ابن الجَوْزيِّ فقال عَقِبَ حديث أنيسة هكذا رَوَوهُ كأنَّه مَقْلوب، إنَّما هو «إنَّ بلالًا ينادي بليل» .
قلتُ حديث ابن عمر «إنَّ بلالًا أذَّن بليل» فيها وعليه السَّلام فضعيف ضعَّفه ابن المدينيِّ وأبو داود كما نقله عنهما صاحب «الإقليد» ] [2]
خاتمة
قوله (وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى) قائل ذلك هو ابن شهاب أو سالم أو ابن عمر.
[والباء في (بليل) للظَّرفيَّة؛ أي في ليل.
قال التَّيميُّ الحديث لا يدلُّ على التَّرجمةِ أصلًا؛ لأنًّ أذانَ ابنِ أمِّ مَكْتوم لو كان بعدَ الفجر؛ لما جاز الأكل إلى أذانه، اللَّهمَّ إلَّا أن يكون الغرض أنَّ أذانه كان علامةً لأنَّ الأكل صار حرامًا، ولم يكن الصَّحابة يخفى عليهم الأكل في غير وقته، بَلْ كانوا أحوطَ لدينهم من ذلك، انتهى كلام التَّيميِّ.
وقال شيخ والدي أذان ابن أمِّ مكتوم اختلف العلماء في تأويله، فقال ابن حبيب ليس قوله (أصبحتُ) إفصاحًا بالصُّبح، بمعنى أنَّ الصُّبح انفجر وظهر، ولكن بمعنى التَّحذير من طلوعه وخيفة انفجار هو مثله قال الأصيليُّ والدَّاوديُّ وسائر المالكيِّين.
ج 1 ص 326
وقالوا أصبحتَ؛ أي قاربتَ الصَّباحَ، كقوله تعالى {فإذا بلغنَ أجلهنَّ} [البقرة234] ؛ أي قاربن؛ لأنَّ العدَّة إذا تمَّت؛ فلا رجعة، ولو كان أذانه بعدَ الفجر؛ لم يجز أن يُؤمَر بالأكل إلى وقت أذانه؛ للإجماع أنَّ الصِّيام واجب من أوَّلِ لفجر.
وأمَّا مذهب البخاريِّ في هذا الحديث على مَا ترجم له في الباب، فأراد به أنَّه كان بعد طلوع الفجر، والحجَّة له.
قوله (إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ) فلو كان أذان ابن أمِّ مكتوم قبلَ الفَجْر؛ لم يكن؛ لقوله (إنَّ بلالًا ينادي بليلٍ) معنى لأنَّ أذان ابن أمِّ مكتوم كذلك، وهو في اللَّيل، وإنَّما يصحُّ الكلام أن يكون نداء في غير اللَّيل في وقتٍ يحرم فيه الطَّعام والشَّراب اللَّذان كانا مباحان في وقتِ أذان بلالٍ، وقد رُوِيَ هذا المَعْنى نصًّا في رواية البخاريِّ في (كتاب الصِّيام) «إنَّ بلالًا يؤذِّن، فكلوا واشربوا حتَّى يؤذِّن عمرو؛ فإنَّه لا يؤذِّن حتَّى يطلع الفجر» وأذان عمرو كان علامةً لتحريم الأكل لا للتَّمادي فيه.
خاتمة
(ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) مَفْعول من الكَتْم، سُمِّيَ به لكتمان نور عَيْنه، وأمُّه عاتكة بنت عبد الله المخزوميَّة، وهو ابن خال خديجة، وهو عَمرو بن قيس العامريِّ.
إشارة قوله (من صلاة الصُّبح) لم أرَ لأحدٍ كلامًا على (من) هذه، ومن معانيها (عند) والتَّعليل، فيُحتمَل] [3] .
[1] في الأصل (هو) .
[2] ما بين معقوفين منقول من الخاتمة (ص 313/ب) .
[3] ما بين معقوفين تقدَّم على مكانه في الصَّفحة 173/أ، وهنا مكانه الصَّحيح.