46 -فائدة قوله تعالى {إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ} [التَّوبة31] استثناء من أعمِّ عام المفعول لأجله؛ أي مَا أُمِرُوا لأجل شيء إلَّا للعبادة.
(حُنَفَاءَ) جمع حَنيف، وهو المائل عن الضَّلالة إلى الهداية.
و (يُقِيْمُوا الصَّلَاةَ) من باب عطف الخاصِّ على العامِّ، وفيه تفضيل الصَّلاة والزَّكاة على سائر العبادات.
(وَذَلِكَ دِيْنُ القَيِّمَةِ) أي دين الملَّة المستقيمة، وقد جاء (قام) بمعنى استقام، ومنه قوله تعالى {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} [آل عمران113] ؛ أي مستقيمة قاله الزَّمخشريُّ.
لطيفة هنا روى إسماعيل عن خاله عن عمه عن أبيه.
فائدة لم يذكر الحجَّ في هذا الحديث، فيُحتمَل أنَّه لم يُفرَض إذ ذاك، أو أنَّ الرَّجل سأل عن حاله حيث قال (عليَّ غيرُها؟) فأجاب صلَّى الله عليه وسلَّم بما عرف من حاله، ولعلَّه ممَّن لم يكن الحجُّ واجبًا عليه.
قوله (ثَائِرُ الرَّأْسِ) أوقع اسم الرَّأس على الشَّعر إمَّا لأنَّ الشَّعر منه يَنْبتُ كما يُطلَق اسم السَّماء على المطر؛ لأنَّه من السَّماء ينزل، وإمَّا لأنَّه جعل نفس الرَّأس ذا ثَورَان على طريق المبالغة، أو يكون من باب حذف المضاف بقرينة عقليَّة.
و (ثَائِرُ) مرفوع صفة لـ (رجل) وقيل منصوب على الحال.
إن قلت شرط الحال أن يكون نكرة، وهو مضاف فيكون معرفة؛ قلتُ إضافته لفظيَّة فلا تفيد إلَّا تخفيفًا.
قوله (يُسْمَعُ وَنُفْقَهُ) بالنُّون المفتوحة مَبْنيَّان للفاعل بالمثنَّاة تحت المضمومة مَبْنيَّان
ج 1 ص 70
للمفعول.
قوله (دَوِيٌّ) حُكِيَ ضمُّ الدَّال.
وقال ابن قرقول الأوَّل أصوب، يعني فتح الدَّال؛ وهو بُعدُ الصَّوت في الهواء وعلوِّه، ومعناه صوت شديد لا يُفهَم منه شيء كدويِّ النَّحل.
وفيه أنَّ صلاة الوتر والعيدين ليست بواجبة، وقال أبو حنيفة الوتر واجب، وقال الإصطخريُّ صلاة العيد فرض كفاية.
الطَّيبيُّ الحديث مُشْتمل لها في أصلين
أحدهما في شمول عدم الوجوب في غير ما ذُكِرَ في الحديث كعدم وجوب الوتر. والثَّاني في أنَّ الشُّروع غير ملزم؛ لأنَّه نفى وجوب شيء آخر مطلقًا شُرِعَ فيه أو لم يُشرَع، وتمسَّك الخصم به على الشَّرع ملزم، قال إنَّه نفى وجوب شيء آخر إلَّا تطوَّع به، والاستثناء من النَّفي إثباتًا فيكون المثبت بالاستثناء وجوب ما تطوَّع به، وهو المطلوب.
قال وهذا مغالطة؛ لأنَّ هذا الاستثناء من وادي قوله تعالى {لَا يَذُوْقُوْنَ فِيْهِ المَوْتَ إِلَّا المَوْتَةَ الأُوْلَى} [الدُّخان56] ؛ أي لا يجب شيء إلَّا أن تطوَّع، وقد عُلِمَ أنَّ التَّطوُّع ليس بواجب، فلا يجب شيء آخر أصلًا.
قوله (عَنِ الإِسْلَامِ) أي عن فرائضه، ولهذا لم يذكر فيه الشَّهادتان؛ لأنَّه علم أنَّ الرَّجل يسأل عن شرائع الإسلام، ويُحتمَل أنَّه سأل عن حقيقة الإسلام، وقد ذكر له الشَّهادة فلم يسمعها طلحة؛ لبعد موضعه، أو لم ينقله لشهرته.
فائدة (إِلَّا أَنْ تَطَوَّعْ) قال الشَّافعيُّ وغيره ممَّن يقول لأنَّه لزم النَّوافل بالشُّروع إنَّه استثناء مُنْقطع، تقديره لكن التَّطوُّع خير لك، وقال في سيَّره من تطوُّع يُستحبُّ له إتمامه، ولا يجب، بل يجوز قطعه.
وقال آخرون استثناء متَّصلٌ، ويقولون بلزوم النَّوافل بالشُّروع، ويستدلُّون بهذا الحديث، وبقول الله {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمَّد33] ، وبالاتِّفاق على أنَّ حجَّ التَّطوُّع يلزم بالشُّروع، و [يعلم من] الحديث أنَّ وجوب صلاة اللَّيل منسوخ في حقِّ الأمَّة، وهو مجمع عليه، واختلف قول الشَّافعيِّ في نسخه في حقِّ الشَّارع.
قوله (خَمْسُ صَلَوَاتٍ) مبتدأ مرفوع غير منوَّن، خبر مبتدأ محذوف.
قوله (تَطَوَّعَ) بتشديد الطَّاء والواو على إدغام إحدى التَّاءين في الطَّاء، وقيل يجوز تخفيف الطَّاء على الحذف والأصليَّة أولى بالإسقاط من العارضة الزَّائدة؛ لأنَّ الزَّائدة إنَّما دخلت لإظهار معنى، فلا يحذف لئلَّا يزول العارض الَّذي لأجله دخلت.
قوله (وَذَكَرَ لَهُ) هذا قول الرَّاوي، فإنَّه نسي ما نصَّ عليه عليه السَّلام، أو التبس عليه، فقال ثمَّ ذكر له الزَّكاة، وهذا يؤذن بأنَّ مراعاة الألفاظ مشروط في الرِّواية، فإذا التبس عليه؛ يشير في لفظه إلى ما يُنْبئ عنه، كما فَعَلَ هنا راوي الحديث.
قوله (وَاللهِ) فيه جواز الحلف من غير استحلاف، قال التِّرمذيُّ ويُحتمل أنَّه لسبق لسانه إلى النَّهي، فكان من اللَّغو.
قوله (أَفْلَحَ) الفلاح الفوز والبقاء أو الظَّفر وإدراك البُغْية.
وقيل عبارة عن أربعة أشياء بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وغزٌّ بلا ذلٍّ، وعلمٌ بلا جَهْل.
وقيل لا كلمة في اللُّغة أجمع بالخيرات منه.
النَّوويُّ قيل الفلاح راجع إلى قوله (ولا أنقص) خاصَّة، والأظهر أنَّه راجع إليه وإلى الزِّيادة، بمعنى أنَّه إذا لم يزد ولم يُنقِص؛ كان مُفْلحًا؛ لأنَّه أتى بما عليه، ومن أتى بما عليه كان مُفْلحًا، وليس فيه أنَّه إذا أتى بزائد على ذلك لا يكون مُفْلحًا؛ لأنَّ هذا ممَّا يُعْرَف بالضَّرورات، فإنَّه إذا أفلح بالواجب؛ ففلاحُه بالمندوب مع الواجب أولى.
وأقول وله مَحمَلٌ آخر وهو أن يكون السَّائل رسولًا فحلف لا أزيد في الإبلاغ على ما سمعت ولا أنقص في تَبْليغ ما سمعته منك إلى قومي، وقال شيخنا إن قيل كيف أقرَّه على الحلف وقد ورد النَّكير على من حلف أن لا يفعل خيرًا؟ أجيب بأنَّ ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا جارٍ على الأصل بأنَّه لا إثم على غير تارك الفرائض، فهو مفلح وإن كان غيره أفلح منه.
وقال الطَّيبيُّ يُحتمَل أن يكون هذا الكلام صدر منه على طريق المبالغة في التَّصديق بالقبول؛ أي قبلتُ كلامك قبولًا لا مزيد عليه من جهة السُّؤال، ولا نقصان فيه على طريق القبول، انتهى.
إن قيل كيف أثبت له الفلاح بمجرَّد ما ذكر، مع أنَّه لم يذكر المنهيَّات؟
أجاب ابن بطَّال باحتمال أن يكون ذلك وقع قبل ورود فرائض النَّهي، وهو عجب منه؛ لأنَّه جزم بأنَّ السَّائل ضمام، وأقدم ما قيل أنَّه وفد سنة خمس، وقيل بعد ذلك، وقد كان أكثر المنهيَّات واقعًا قبل ذلك، والصَّواب أنَّ ذلك داخل في عموم قوله ما خبره بشرائع الإسلام كما أشرنا إليه.
إن قلت كيف قال لا أزيد على هذا وليس فيه جميع الواجبات ولا المنهيَّات ولا السُّنن المندوبات، وأقرَّه الشَّارع وزاد بقوله «أفلح إن صدق» ؟
فالجواب إنَّه جاء في رواية البخاريِّ زيادة توضح ذلك، قال وأخبره عليه السَّلام بشرائع الإسلام.
قال والَّذي أكرمك لا أتطوَّع شيئًا ولا أنقص ممَّا فرض الله عليَّ شيئًا، فعلى عموم قوله (بشرائع الإسلام) وقوله (فما فرض الله) يزول الإشكال في الفرائض، وأمَّا النَّوافل؛ فيُحتمَل أنَّ هذا كان قبل شرعها، ويُحتمَل أنَّ المراد أنَّه لا يزيد في الفرائض لتغيير صفته، كأنَّه قال لا أصلِّي الظُّهر خمسًا
ج 1 ص 71
وهذا ضعيف جدًّا؛ لأنَّه قال فيما أسلفناه لا أتطوَّع، والجواب الصَّحيح أنَّه على ظاهره، وأنَّه أراد أن لا يصلِّي النَّوافل، بل يحافظ على كلِّ الفرائض، وهذا مفلح بلا شكٍّ، وإن كانت مواظبته على ترك النَّوافل مذمومة وتُرَدُّ بها الشَّهادة، إلَّا أنَّه غير آثم، بل هو مفلح ناجٍ، وإن كان فاعل النَّوافل أكمل فلاحًا منه، انتهى.
فائدة وَرد (أفلح وأبيه إن صدق) وهي كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامهم غير قاصدين بها حقيقة الحلف والنَّهي، إنَّما ورد فيمن قَصَدَ الحقيقة لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته بالله تعالى، وقيل إنَّه كان قبل النَّهي؛ قاله الكرمانيُّ.
وقال شيخنا فيه إضمار (إي ورَبِّ أبيه) ، انتهى.
وأجاب ابن الملقِّن بأجوبة، فذكر ما تقدَّم وزاد سمعتُ بعض شيخنا يُجيب بجوابين آخرين
أحدهما أنَّه يحتمل الحديث أفلح والله، فقصر الكاتب اللَّامين فصارت وأبيه.
ثانيهما خصوصيَّة ذلك بالشَّارع دون غيره، وهذه دعوى لا برهان عليهَا، وأغرب العراقيُّ حيث قال هذه اللَّفظة اختُلِف في صحَّتها، فإنَّها ليست في «الموطَّأ» ، وهذا عجيبٌ، فالزِّيادة تامَّة لا شكَّ في صحَّتها ولا مرية، انتهى.
واستبعد القرطبيُّ هذا وقال إنَّه يَجزم الثِّقة بالرِّوايات الصَّحيحة.
خاتمة
ابن بطَّال هذا الحديث حجَّةٌ أنَّ الفرائض تُسمَّى إسلامًا، ودلَّ قوله (أفلح إن صدق) على أنَّه إن لم يصدق في التزامها؛ أنَّه ليس بمفلح، وهذا خلاف قول المرجئة.
التَّيميُّ خصَّ هذا الحديث بالإيراد في (باب الزَّكاة من الإيمان) وإن كان فيه دلالة على أنَّ الصَّلاة والصَّوم من الإيمان لأنَّه استغنى في غير هذا الباب بغير هذا الحديث ولم نجد في هذا إسنادًا آخر.