536 -537 - إن قلتَ إسناد الاشتكاء إلى النَّار والأكل والتَّنفُّس هل هو مجاز أو حقيقة.
قلتُ اختلفوا؛ فقال بعضهم هو على ظاهره، وَجَعَل الله سبحانه فيهَا إدراكًا وتمييزًا بحيثُ تكلَّمت به، وهو الصَّواب، إذ لا مَنْعَ من حَمْله على حقيقته؛ فَوَجَب الحكم به.
وقيل ليس على ظاهره، بل هو على وجه التَّشبيه، وتقدَّم ما فيه.
وقوله (أَشَدُّ) بالجرِّ بدلًا أوْ بيانًا، وفي بَعْضها بالرَّفع؛ أي هو أشدُّ، محذوف المبتدأ، أو أشدُّ ما تجدون من الحرِّ منه، محذوف الخبر.
وفي بعضها (فأشدُّ) بالفاء، وفيه لفٌّ ونشر على غير التَّرتيب.
إن قلتَ كيف يَحْصل من نَفس النَّار الزَّمْهرير.
قلتُ المرادُ من النَّار مَحلُّها، وَهُوَ جهنَّم، وفيها طبقة زمهريريَّة، انتهى.
وقال بعضهم (أشدُّ ما تجدون) خبر مبتدأ محذوف؛ أي أخذ النَّفسين أشدُّ ما تجدون من الحرِّ، والآخر أشدُّ ما تجدون من الزَّمهرير، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر؛ أي أشدُّ ما تجدون من حرِّ الصَّيف؛ فهو من حرِّ جهنَّم، وأشدُّ ما تجدون من الزَّمهرير؛ أي من شدَّة البرد في الشِّتاء، فهو من شدَّة برد جهنَّم.
و (ما) في (مَا تَجِدُونَ) موصولة، والعائد محذوف؛ أي تجدونه.
و (من) في (مِنَ الحَرِّ) و (مِنَ الزَّمْهَرِيْرِ) بيان لها.
القاضي البيضاويُّ اشتكاء النَّار مجاز عن كثرتها وغليانها، وأكلها ازدحام أجزائها بحيث يضيق عليهَا مكانها، فيَسْعى كلُّ جزء في إفناء الجزء الآخر، والاستيلاء على مكانها ونفسها لهبها وخروج ما يَبْرز منَها.
وتحقيقه أنَّ أحوالَ هذا العالَم عكس أمور ذلك العالم وآثارها، كما جعل مُسْتطابات الأشياء أشباه نعيم الجنان؛ ليكونوا أميلَ إليهَا، كذا جَعَلَ الشَّدائدَ المؤلمة أُنموذجًا لأحوال الجحيم؛ ليزيدَ خوفهم، فما يُوْجد من السَّموم المهلكة فمن حرِّها، وما يُوْجد من الصَّراصر المجمِّدة فمن بَرْدها.
النَّوويُّ اختلفوا في الجَمْع بين هذا الحديث وحديث خبَّابٍ (شكونا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حرَ الرَّمضاء فلم يُشْكنا؛ أي لم تزل شَكْوانا) قال زهير قلتُ لأبي إسحاق أفي الظُّهر؟ قال نعم، قلتُ أو في الظُّهر؟ قال نعم، قلتُ أو في تعجيلها؟ قال نعم.
فقيل الإبراد رخصة، والتَّقديم أفضل، واعتمدوا حديث خبَّاب.
ج 1 ص 302
وقال آخرون المختار استحباب الإبراد؛ لكثرة أحاديثه المشتملة على فعله والأمر به، وحديث خبَّاب محمول على أنَّهم طلبوا تأخيرًا زائدًا على قدر الإبراد، والإبراد أن تؤخَّر بحيث يحصل للحيطان ظلٌّ يمشون فيه ويتناقص الحرُّ.
«شرح السُّنَّة» قيل في الجمع بينهما أنَّهم كانوا يلتمسون تأخير الصَّلاة عن الوقتِ، فلم يُرخَّص لهم فيه، ورُخِّص في الإبراد.