41 -قال ابن المُنَيِّر إن قلت كيف موضع هذه التَّرجمة من زيادة الإيمان ونقصانه؛ قلتُ لمَّا أثبت الإسلام صفة الحُسْن وهي زائدة عليه، دلَّ على اختلاف أحواله، وإنَما تختلف الأحوال بالنِّسبة إلى الأعمال، وإنَّما التَّوحيد واحد، انتهى.
قوله (يَقُوْلُ) إنَّما عَدَل عن لفظ الماضي إلى المضارع مع أنَّ القصَّة ماضية، ومع أنَّه هُوَ
ج 1 ص 66
المناسب ليتبع لغرض الاستحضار، كأنَّه يقوله الآن، وكأنَّه يريد أن يُطلِع الحاضرين على ذلك القول مبالغة في تحقُّق وقوع القول، وذلك كقوله تعالى {إِنَّ مَثَلَ عِيْسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُوْنُ} [آل عمران59] حيث لم يقل (فكان) .
قوله (فَحُسْنُ إِسْلَامِهِ) عطف على (أَسْلَمَ) وجزاء الشَّرط (يُكفِّر اللهُ) ويجوز فيه الرَّفع والجزم نحو
~إذا أتاه خَليلٌ يوم مَسْغَبة يقولُ لا غائب مالي ولا حرمي
وعند الجزم يلتقي السَّاكنان فيُحرَّك بالكسر، والرِّواية إنَّما هي بالرَّفع، ولقد أحسن القائل
~يا ساكنًا قلبي المعنَّى وليس فيه سواك ثاني
~لأيِّ معنى كسرت قلبي وما التقى فيه ساكنان
ومعنى حُسْنَ الإسلام الدُّخول فيه بالظَّاهر والباطن، حيث يقال في عرف الشَّرع حَسُنَ إسلام فلان؛ إذا دخل فيه حقيقة.
ابن بطَّال معناه الطَّاعة والمراقبة.
النَّوويُّ معنى (حَسُنَ) أن يسلم إسلامًا محقِّقا بريئًا من الشُّكوك.
و (التَّكْفِيرُ) التَّغطية، وهو في المعاصي كالإحباط في الطَّاعات.
الزَّمخشريُّ التَّكفير إماطة المستحقِّ من العقاب بثواب أزيد أو بتوبة.
قوله (زلَّفَهَا) بتشديد اللَّام أسلفها وقدمها، ضبطه النَّوويُّ، وفي بعض النُّسخ (أزلفها) ومعناها اكتسبها وقدَّمها وقرَّبها قربةً إلى الله تعالى.
وفي بعض نسخ المغاربة (زَلَفها) بتخفيف اللَّام.
قوله (وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ القِصَاصُ) هو مقابلة الشَّيء بالشَّيء؛ أي كلُّ شيء يعمله يوضَع في مقابلة شيء، إن خيرًا؛ فخير، وإن شرًّا؛ فشرٌّ، وهو مرفوع بأنَّه اسم كان.
ويُحتمل أن تكون ناقصة وأن تكون تامَّة.
فإن قلت قال (كان) والسِّياق يقتضي لفظ المضارع؛ قلتُ هو لتحقُقِ وقوعه، كأنَّه واقع، نحو {وَنَادَى أَصْحَابُ الجَنَّةِ} [الأعراف44]
قوله (الحَسَنة) مبتدأ، و (بِعَشْرِ) خبره، والجملة استئنافيَّة.
قوله (إِلَى سَبْعِ مِئَةِ) متعلِّق بمقدَّر؛ أي مُنْتهيًا إلى سبع مئة، فهو منصوب على الحاليَّة، وبيَّن في الحديث الانتهاء إلى سبع مئةٍ، والله سبحانه يضاعف لمن يشاء، أنَّ المتحقِّق هو السَّبع مئة، والمضاعفة عليها في مشيئة الله سبحانه.
فائدة (بِمِثْلِهَا) يعني لا يُزاد عليها، وهذا من فضل الله وسعة رحمته، حيث جَعَلَ الحسنة كالعشر والسَّيِّئة كما هي بلا زيادة، وهذا دليل لأهل السُّنَّة في أنَّ أصحاب المعاصي لا يُقْطَع عليهم بالنَّار، بل ذلك إلى مشيئة الله خلافًا للمعتزلة حيث قطعوا بعقاب صاحب الكبيرة إذا مات بلا توبة عنها.
النَّوويُّ لا يُشترَط في تكفير سيِّئات زمن الكفر كتْبه حسناته أن يُكثِر من الطَّاعات في الإسلام، ويلازم الإخلاص في كلِّ فعل من أفعاله.
فائدة وقال ابن بطَّال هذا الحديث وهو حديث أبي سعيد أسقط البخاريُّ بعضَه، وهو حديث مشهور من رواية مالك في غير «الموطَّأ» ، وقصد «إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه؛ كتب الله له بكلِّ حسنة كان زلفها ومحى عنه كلَّ سيِّئة كان أزلفها» وذكر ما فيه بمعناه، قال وذكره الدَّار قطنيُّ في «غرائب حديث مالك» من تسع طرق، وأثبت فيها كلَّها ما أسقط البخاريُّ إلى آخر كلامه.
وقال الدَّار قطنيُّ اتَّفق هؤلاء التِّسعة ابن وهب، والوليد بن مسلم، وطلحة ابن يحيى، وزر بن شعيب، وإسحاق الفرويُّ، وسعيد الزَّبيريُّ، وعبد الله بن نافع، وإبراهيم بن المختار، وعبد العزيز بن يحيى، فرواه عن مالك عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد، وخالفهم مَعْن بن عيسى، فرواه عن مالك عن زيد عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم.
وقال شيخنا العلَّامة الجواب أنَّ المؤلِّف أسقطها عمدًا؛ لأنَّها مشكلة على القواعد، فإنَّ المازريَّ قال الكافر لا يصحُّ منه التَّقرُّب، فلا يُثاب على العمل الصَّادر منه في شركه؛ لأنَّ من شرط المتقرِّب أن يكون عارفًا من تقرَّب إليه، والكافر ليس كذلك، وتبعه عيَّاض على تقرير هذا الإشكال، واستضعف ذلك النَّوويُّ، فقال الصَّواب الَّذي عليه المحقِّقون بل نقل بعضهم فيه الإجماع على أنَّ الكافر إذا فعل أفعالًا جميلة كصَّدقة وصلة الرَّحم، ثمَّ أسلم ومات على الإسلام؛ إنَّ ثواب ذلك يُكتَب له، وأمَّا دعوى أنَّه مخالفٌ للقواعد فغير مسلَّم؛ لأنَّه قد يُعتَدُّ ببعض أفعال الكافر في الدُّنيا، ككفَّارة الكبائر، فإنَّه لا يلزمه إعادتها إذا أسلم ويجزئه، انتهى.
وقد يُقال لا يلزم من كتابة الثَّواب للمسلم في حال إسلامه تفضُّلًا من الله وإحسانًا أن يكون ذلك، لكون عمله الصَادر منه في الكفر مقبولًا، والحديث إنَّما يتضمَّن كتابة الثَّواب، ولم يتعرَّض للقبول، ويحتمل أن يكون القبول يصير معلَّقًا على إسلامه، فيُقبَل ويُثاب إن أسلم، وإلَّا فلا، وهذا قويٌّ وقد جزم بما جزم به النَّوويُّ إبراهيم الحربيِّ وابن بطَّال وغيرهما من القدماء، والقرطبيُّ وابن المُنَيِّر من المتأخِّرين.
قال ابن المُنَيِّر المخالف للقواعد دعوى أنَّه يكتب له ذلك في حال كفره، وأمَّا أنَّ الله يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه، فما كان يظنُّه خيرًا فلا مانع منه كما لو تفضَّل عليه ابتداء من غير عمل، وكما يتفضَّل على العاجز بثواب ما كان يعمل وهو قادر، فإذا جاز أن يُكتَب له ثواب ما لم يعمل البتَّة؛ جاز أن يُكتَب له ثواب ما عمله غير موفِّي الشُّروط.
وقال ابن بطَّال فيه أن يتفضَّل على عباده بما شاء ولا اعتراض عليه، واستدلَّ غيره بأنَّ من آمن من أهل الكتاب يُؤتى أجره مرَّتين كما دلَّ عليه القرآن والحديث الصَّحيح، وهو لو مات على إيمانه الأوَّل لم ينفعه شيء من عمله الصَّالح، بل يكون هباء منثورًا، فدلَّ على أنَّ ثواب عمله الأوَّل يُكتَب له مضافًا إلى عمله الثَّاني، وبقوله عليه السَّلام لمَّا سألته عائشة عن ابن جدعان، وما كان يصنعه من الخير هل ينفعه؟ فقال إنَّه لم يقل يومًا ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدِّين، فدلَّ على أنَّه لو قالها بعد أن أسلم؛ نفعه ما عمله في الكفر.
وفي «مسلم» من حديث أنس مرفوعًا «إنَّ الله تعالى لا يظلم مؤمنًا حسنة يعطي بها في الدُّنيا ويجزى بها في الآخرة، وأمَّا الكافر، فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدُّنيا، حتَّى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها» .
وقال في «شرح المهذَّب الصَّحيح» أنَّه إذا تصدَّق في حال كفره ثمَّ أسلم أنَّه يُثاب عليه.