فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 6723

40 -فائدة يؤخذ من هذا الحديث جواز الاجتهاد في زمنه عليه السَّلام، أو بالقرب منه؛ لأنَّه كان يمكن قطع الصَّلاة وأن يكتفوا على ما صلُّوا كما فعلوا، فرجَّحوا البقاء وهو محلُّ اجتهاد؛ قاله الشَّيخ تقي الدين، وفيه نظر.

وقول الله تعالى لفظ (الصَّلاة) مرفوع، ولفظ (القول) مجرور.

قوله (يَعْنِي صَلَاتَكُمْ عِنْدَ البَيْتِ) النَّوويُّ هذا مشكل؛ لأنَّ المرادَ صلاتكم إلى بيت المقدس، وكان ينبغي أن يقول أي صلاتكم إلى بيت المقدس، وهذا هو مراده، فتأوَّل كلامه عليه.

ولعلَّ مراد البخاريِّ بقوله عند البيت مكَّة أي صلاتكم بمكَّة، وكانت إلى بيت المقدس، والمراد بالبيت الكعبة؛ قاله الكرمانيُّ.

قال شيخنا ورد في النَّسائيِّ والطَّيالسيِّ «إلى بيت المقدَّس» ، واستشكل هذا ولا إشكال، ولعلَّه من دقائق كلام البخاريِّ، وكان يميل إلى أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لمَّا كان يصلِّي بمكَّة كان يجعل البيت بينه وبين بيت المقدس ويستقبل بيت المقدس.

قوله (أَوَّلَ مَا قَدِمَ) (أوَّل) بالنَّصب؛ أي في أوَّل زمان قدومه عند الهجرة من مكَّة.

و (مَا) مصدريَّة.

إشارة (المَدِيْنَةَ) هي إمَّا من (مَدَنَ بالمكان) إذا أقام فيه، فهي (فعيلة) وجمعها (مدائن) بالهمز، أو من (دان) أي أطاع، أو من (دين) ؛ أي مُلك، فجمعه (مداين) بلا همز كمعايش

فائدة (بَيْتِ المَقْدِسِ) بفتح الميم وسكون القاف، بكسر الدَّال مصدر كـ (المرجع) ، أو مكان القدس؛ وهو الطهر؛ أي المكان الَّذي يُطهَّر فيه العابد من الذُّنوب، أو يطهِّر العبادة من الأصنام، وبضمِّ الميم وفتح القاف، وبتشديد الدَّال اسم مفعول من التَّقديس؛ أي التَّطهير، وجاء بصيغة اسم الفاعل منه أيضًا، ويقال البيت المقدَّس على الصِّفة، والمشهور المقدس على الإضافة وبالتخفيف، نحو المسجد الجامع.

قوله (أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ) شكٌّ مِن البراء، وفي «مسلم» ستَّة عشر شهرًا، وفي أخرى سنتين حكاه المحبُّ الطبريُّ، وسُمِّيَ الشَّهر به؛ لشهرته عند النَّاس كلِّهم لاحتياجهم إلى معرفته في العبادات والمعاملات.

قوله (أَجْدَادِهِ أَوْ أَخْوَالِهِ) وهم أجداد وأخوال مجازًا، والشَّكُّ من أبي إسحاق.

قوله (أَوَّلَ) هو مفعول صلَّى، وصلاة العصر هو بالنَّصب أيضًا بدلًا منه، وفي الكلام تقدير؛ أي أوَّل صلاة صلَّاها متوجِّه الكعبة، ولوضوحه لم يذكره.

فائدة التَّحويل كان في السَّنة الثَّانية قطعًا.

وقال ابن الملقِّن بعد أن ساق كلام أبي حنيفة أنَّ التَّحويل في الظُّهر.

وفي «البخاريِّ» أوَّل صلاة صلَّاها عليه السَّلام إلى الكعبة صلاة العصر، وفي أخرى

صلاة الصُّبح، والأولى أثبت، ويجمع بينها وبين رواية العصر أنَّ أوَّل صلاة صلَّاها كاملة إلى الكعبة صلاة العصر، بخلاف الظُّهر، وتحتاج إلى جواب عن رواية الصُّبح، انتهى.

ورأيتُ في كلام ابن العربيِّ قال محمَّد بن حبيب الهاشميُّ حوِّلت في الظُّهر يوم الثُّلاثاء للنِّصف من شعبان، زار رسول الله عليه السلام أمَّ بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة فقعد هو وأصحابه وحان الظُّهر، فصلَّى بأصحابه في مسجد القبلتين ركعتين من الظُّهر إلى الشَّام، ثمَّ أُمِرَ أن يستقبل القبلة وهو راكع في الرَّكعة الثَّالثة، فاستدار إلى الكعبة، ودارت الصُّفوف خلفه ثمَّ أتمَّ الصَّلاة، فسُمِّي مسجد القبلتين لهذا، انتهى.

فظهر أنَّ تحويله هو كان في الظُّهر، وتحويل أصله كان في الصُّبح كما في رواية «البخاريِّ» في التَّفسير ورواية العصر تقدم ما ورد فيها.

تنبيه الرَّجل المخبر، قال الكرمانيُّ هو عباد بن نَهيك، والمسجد غير مَسْجد قباء، انتهى.

وقيل عباد بن بِشر، وقيل عباد بن وَهْب، وقيل غير ذلك.

وأمَّا هذا المسجد، وقال البرماويُّ مَسْجد بني عبد الأشهل، وهذا هو الظَّاهر.

وقال ابن الملقِّن مسجد بني سلمة، وتقدَّم.

ج 1 ص 64

قوله (وَهُم رَاكِعُونَ) يحتمل أن يراد به حَقيقة الرُّكوع، وأن يراد به الصَّلاة من باب إطلاق الجزء وإرادة الكلِّ، انتهى كلام الكرمانيِّ، وتقدَّم كلام ابن حبيب.

قوله (كَمَا هُم) (ما) موصولة، و (هم) مبتدأ وخبره محذوف، وهو عليه؛ أي داروا مشبهين الحال الَّذي كان متقدِّمًا على حال دورانهم، أو داروا على الحال الَّذي هم كانوا عليه.

وقيل هذه الكاف تُسمَّى بكاف المقارنة؛ أي وراءهم مقارن بحالهم.

قوله (قَدْ أَعْجَبَهُمْ) فاعل أعجب هو رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، و (إذ كان) بدل الاشتمال، أو (إِذْ كَانَ) فاعلًا، (إذ) هو ههنا للزَّمان المطلق؛ أي أعجبهم زمان كان يصلِّي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نحو بيت المقدس؛ لأنَّه كان قبلتهم، فإعجابهم لموافقته قبلة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قبلتهم.

قوله (وَأَهْلَ الكِتَابِ) عطف على اليهود، فإمَّا أن يُراد به العموم؛ فهو عاٌّم عُطِفَ على خاصٍّ؛ أي جميع أهل الكتاب، أو المراد به النَّصارى فقط، فهو خاصٌّ عُطِفَ على خاصٍّ، وجعلوا تابعه لأنَّه لم يكن قبلتهم، بل إعجابهم بالتَّبعيَّة لليهود.

ويُحتمَل أن تكون الواو بمعنى مع، لكن يكون الفرَّاء بالنَّصب، وأحبَّه حينئذ.

ومعناه كان يصلِّي نحو بيت المقدس مع أهل الكتاب، وهو مثل جئتُ وزيدًا، وهذا هو الأظهر لو صحَّ رواية النَّصب، انتهى كلام الكرمانيِّ.

قال والدي رحمه الله تعالى هو مرفوع معطوف على اليهود.

وقال ابن الملقِّن ولعلَّه المراد بهم النَّصارى، فإنَّ اليهود أيضًا أهل كتاب، انتهى.

قال والدي وفيه نظر؛ لأنَّ النَّصارى يصلُّون إلى المشرق، ولعلَّ المراد بأهل الكتاب هم اليهود، وجاز العطف لاختلاف اللَّفظ، ويحتمل أنَّه أراد النَّصارى، ويكون إعجابهم لكون المسلمين خالفوا اليهود في القبلة، انتهى.

ويُحتمَل أن يكونَ فيه حذف، تقديره وأهل الكتاب لم يُعْجبهم ذلك.

والضَّمير في قوله (وَأَنْكَرُوا) عائدٌ إلى اليهود لا إلى أهل الكتاب، ويكون المراد بأهل الكتاب النّصارى.

قوله (قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) قال الكرمانيُّ يُحتمَل أنَّ البخاريَّ ذكره على سبيل التَّعليق فيه، ويُحتمَل أن يكون داخلًا تحت الإسناد السَّابق، سيَّما لو جوَّزنا العطف بتقدير حرف العطف كما هو مذهب بعض النُّحاة، انتهى.

وقال والدي رحمه الله تعالى هذا تعليق مجزوم به.

وقال شيخنا إنَّه ليس بتعليق، ووهم من قال أنَّه تعليق، انتهى.

وقد رواه ابن سَعْد، فقال الحسن بن موسى حدَّثنا زهير حدَّثنا أبو إسحاق، فذكره.

قوله (وَقُتِلُوا) أي رجال قبل أن تحوَّلَ القبلة.

إن قلتَ قيَّد المعطوف عليه لا يَلْزم أن يكون قيدًا في المعطوف عند النُّحاة، فمن أين قيَّدته بقولك قبل أن تحوَّل؟ وكذا عند الأصوليِّين عطف المطلق أو العامِّ على الخاصِّ أو المقيَّد ليس مخصِّصًا للعامِّ ولا مقيِّدًا للمطلق؛ قلتُ

ج 1 ص 65

السِّياق يقتضي التَّقييد وحمل المطلق على المقيَّد.

إن قلت الواجب أن يُقال أو قُتِلوا، بـ (أو) لا بـ (الواو) ؛ قلتُ يُحتمَل أن يكون المقتولين نفس الميِّتين.

وفائدة ذكر القتل بيان كيفيَّة موتهم إشعارًا بشرفهم واستبعادًا لضياع طاعتهم، أو أنَّ العقل قرينة لكونها بمعنى (أو) ، انتهى.

قال والدي رحمه الله تعالى في قوله هذا فيه نظر؛ لأنَّ القبلة كان تحويلها قبل بدر، ولم يُقتل أحد قبل بدر.

وقال شيخنا أبو الفضل هذه اللَّفظة لم أرها إلَّا في رواية زهير، وباقي الرِّوايات إنَّما فيهَا ذكر الموت، انتهى.

وقد ذكرتُ من قُتِلَ قبل التَّحويل في غير قتال في «مبهماتي» على «البخاريِّ» .

إن قلت كما أنَّ النَّكرة المعادة يجب أن لا تكون هي بعينها الأولى، فهل الضَّمير الرَّاجع إلى النَّكرة مثل ذلك؟

قلتُ ليس مثله، بل يحتمل المغايرة والاتِّحاد.

إن قلت هل فرق من جهة علم المعاني بين أن يقال مَا يضيع الله إيمانكم وبين ما عليه التِّلاوة من القرآن العظيم؟

قلتُ الفرق بالتَّأكيد وعدمه.

وقال الزَّمخشريُّ (ما كان) معناه ما صح؛ يعني فيه نفي إمكان الإضاعة، وهو أبلغ من نفي الإضاعة نفسها.

إن قلت سياق كلام البراء يقتضي أن يقال إيمانهم بلفظ الغيبة، قلتُ المقصود تعميم الحكم للأمَّة حيًّا وميِّتًا، حاضرًا وغائبًا، فذكر الأحياء المخاطبون تغليبًا لهم على غيرهم.

فائدة قال ابن بطَّال الآية المذكورة أقطع لحجج الجهميَّة والمرجئة في قولهم إنَّ الأعمال لا تُسمَّى إيمانًا.

فائدة هذا الحديث استدلَّ به جماعة على قبول خبر الواحد، ولا نسلِّم لهم الاستدلال؛ لأنَّ هذا الواحد احتفَّت قرائن بخبره، فأفاد العلم؛ لأنَّ القوم كانوا متوقِّعين تحويلَ الصَّلاة، وكان عليه السَّلام بقربهم وغيره من القرائن.

أقول وبهذا يسقط ما يُقال هذا نسخ للمقطوع به بالظَّنِّ الَّذي هو خبر الواحد، انتهى.

وقد قال القاضي أبو بكر وغيره من المحقِّقين، واختاره الغزاليُّ والقاضي وأهل الظَّاهر إلى جواز النَّسخ بخبر الواحد، واختلف العلماء في أنَّ استقبال بيت المقدس كان ثابتًا بالقرآن أم لا؟

ذهب أكثرهم أنَّه بالسُّنَّة، ففيه دليل على أنَّ القرآن ناسخ للسُّنَّة.

وأجاب المانعون بأنَّها نسخ قرآن بقرآن، وأنَّ الأمر أوَّلًا كان تخييره المصلِّي أن يولِّي وجهه حيث شاء، بقول {فَأَيْنَ مَا تُوَلُّوْا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} [البقرة115] ، ثمَّ نُسِخَ باستقبال القبلة.

وقال بعضهم إنَّ النَّسخ بالواحد كان جائزًا في زمنه عليه السَّلام، وإنَّما مُنِعَ بعده.

وقيل إنَّما تلى عليهم الآيات الَّتي فيها ذكر النَّسخ، فتحوَّلوا عند سماع القرآن، فلم يقع النَّسخ إلَّا بما سمعوه.

وقال التَّيميُّ تحوَّلوا من بيت المقدس إلى الكعبة بقول الواحد بحلفه بالله تصديقًا منهم له في ذلك.

إشارة وقال غيره في تفسير ابن الخطيب عن أنس أنَّها حُوِّلَت بعد الهجرة بتسعة أشهر، وهو غريب، وعلى هذا القول يكون التَّحويل في القعدة إن عُدَّ شهر الهجرة وهو ربيع الأوَّل، أو الحجَّة إن لم يُعَد.

قوله (فَلَمْ نَدْرِ) أي هل صلاتهم نافعة أم لا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت