فهرس الكتاب

الصفحة 708 من 6723

466 -قوله (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ) (بسر) بالباء الموحَّدة وسكون المهملة، وفي نسخة بزيادة واو العطف بين (عبيد) و (بسر) فيجوز أنَّ فليحًا حدَّث به مرَّة عن عبيد ومرَّة عن بسر ومرَّة جمعهما، وأطال الغسَّانيُّ.

قوله (إِنْ يَكُنْ) شرطٌ جزاءه محذوف يدلُّ عليه السِّياق، أو أنَّ هذا هو بمعنى (أو) وفي بعضها (أن) بفتح الهمزة.

إن قلتَ لم جَزَم.

قلتُ قال المالكيُّ في قوله صلَّى الله عليه وسلَم (لن ترع) فيه إشكال ظاهر؛ لأنَّ (لن) يجب انتصاب الفعل بهَا، وقد وليها في هذا الكلام بصورة الجزم، والوجه فيه أن يقال سكَّن عين (تراع) للوقف، ثمَّ شبَّه بسكون لجزم فحذف الألف قبله؛ كما تُحذَف قبلَ سكون المجزوم، ثمَّ أجرى الوصل مُجرى الوقف، فتوجَّه فيما نحن فيه مثله، انتهى.

وقال ابن التين (إن يكن الله) رويناه بكسرِ الهمزة على الشَّرط، ويصحُّ فتحها ويكون منصوبًا بـ (أن) ، فيكون المَعْنى مَا يُبْكيه لأجلِ أن يكونَ الله تعالى خيَّر عبدًا، انتهى.

وإنَّما قال (عَبْدًا) على سبيل الإبهام؛ ليظهر فهم أهل المعرفة ونباهة أصحاب الحذق.

قوله (هُوَ العَبْدُ) بالنَّصب، ويجوز الرَّفع، والجمع بين هذا الحديث وحديث بعض الصَّحابة قال لي خليلي أنَّه لا بأس في الانقطاع إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنَّ الانقطاع إليه انقطاعٌ إلى الله تعالى.

قوله (لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا) (اتَّخذ) يتعدَّى إلى مفعولين أحدهما بحرف الجرِّ، فيكون بمعنى اختار واصطفى، وهنا سكت عن أحد مفعوليها، وهو الَّذي دخل عليه حرف الجرِّ، فكأنَّه قال لو كنتُ متخذًا من النَّاس خليلًا؛ لاتَّخذت منهم أبا بكر، وقد يتعدَّى (اتَّخذ) لأحد المفعولين بحرف الجرِّ، وقد يتعدَّى لمفعولٍ واحد، وكلُّ ذلك في القرآن.

قوله (خَلِيلًا) أصل الخلَّة الافتقار والانقطاع، فخليل الله؛ أي المُنْقطع إليه، وقيل إنَّها للاختصاص أو الاصطفاء، وسُمِّيَ الخليل سيِّدنا عليه السَّلام بذلك؛ لأنَّه والى فيه تعالى، وعادى فيه سبحانه، أو لأنَّه تخلَّل بخِلالٍ حَسَنة وأخلاق كريمة، وخلَّة الله تعالى له نصره وجعله إمامًا لمن بعده، وقيل الخلَّة صفاء المودَّة، وقيل أصلها المحبَّة، وقيل الخليل لا يتَّسع قَلْبه لغير خليله، وقيل من التَّخلُّل؛ أي أنَّ الحُّبَّ تخلَّل قَلْبَه وَغَلَبَ على نفسِه، والخِلُّ الصَّديق.

ومعنى الحديث لو كنت منقطعًا إلى غير الله تعالى؛ لانقطعتُ إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه، لكنَّ هذا ممتنع لامتناع ذلك، أوْ لو اتَّسع قلبي لغير الله؛ لاتَّسع له، ونحو ذلك.

ج 1 ص 284

قوله (مِنْ أُمَّتِي) قيل إنَّه اتَّخذ خليلًا من الملائكة، وتردُّه رواية لو كنت متَّخذًا خليلًا غير ربِّي.

إشارة قوله (إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ) قال الخطَّابيُّ أي أكثرهم جودًا وسماحة لنا بنفسه وماله، وليس هو من (المنِّ) الَّذي هو الاعتداد بالصَّنيعة؛ لأنَّه يُبطل الثَّوابَ؛ لأنَّ المنَّةَ للهِ ولرسوله في قبول ذلك وغيره.

وقال القرطبيُّ مَعْناه أنَّ أبا بكر رضي الله تعالى عنه له من الحقوق ما لو كان لغيره؛ لامتنَّ بها، وذلك لأنَّه بادَرَ بالتَّصديق ونفقة الأموال والملازمة على غير ذلك بانشراح صَدْرٍ ورسوخ علمٍ بأنَّ الله ورسوله لهما المنَّة في ذلك والفَضْل، لكنَّ رسول اللهِ بجميل أخلاقه وكرم أعراقه اعترف بذلك عملًا بشكر المنعم ليسنَّ؛ انتهى.

قوله (أُخُوَّةَ) وفي بعضها (خوخة) بحذفِ الهمزة، توجيهه أن يقالَ نُقِلَتْ حركة الهمزة إلى النُّون، وحُذِفَت الهمزة فصار (ولكن خوَّة) ، فعرض بعد ذلك استثقال ضمَّة بين كسرة وضمَّة، فسكَّن النُّون تخفيفًا، فصار (ولكن خوَّة) ، وسكون النُّون بعد هذا العمل غير سكونه الأصليِّ.

قال المالكيُّ الحاصل فيه ثلاثة أوجه سكون النُّون وثبوت الهمزة بعدها مضمومة، وضمُّ النُّون وحذف الهمزة وسكون النُّون وحذف الهمزة، فالأوَّل أصل، والثَّاني فرع والثَّالث فرعُ فرعٍ.

و (أُخُوَّة) مبتدأ، وخبره محذوف، وهو نحو أفضل، انتهى كلام الكرمانيِّ.

قال ابن التين رويناه بغير همزة، ولا أصل لهذا، وقال ابن بطَّال ولا أعرف معناه، انتهى.

قوله (لَا يَبْقَيَنَّ) بالنُّون المشدَّدة المؤكِّدة بلفظ المجهول، ورُوِيَ بلفظ المعروف.

إن قلتَ كيف يُنفَى الباب عن البقاء وهو غير مُكلَّف.

قلتُ هو كناية؛ لأنَّ عدمَ البقاء لازم عن الإبقاء، فكأنَّه قال لا تبقوه حتَّى لا يَبْقى، وهو مثل قولهم لا أريتك ههنا؛ أي لا تقعد عندي حتَّى لا أراك.

قوله (إِلَّا سُدَّ) إن قلتَ الفعل ههنا وَقَع مُسْتثنًى ومُسْتثنًى منه، فكيف ذلك.

قلتُ التَّقدير إلَّا بابًا سُدَّ، فالبابُ الموصوف المحذوف هو المُسْتثنى أوَّلًا، والمستثنى منه ثانيًا، أوْ هو استثناء مفرغ تقديره لا يبقينَّ باب بوجهِ من الوجوه إلَّا بوجه السَّدِّ إلَّا بابه.

وحاصله لا يبقينَّ باب غير مَسْدود إلَّا بابه، والله تعالى أعلم.

تَنْبيه حديث (إلَّا باب عليٍّ رضي الله تعالى عنه) استغربه الترمذيُّ، وقال البخاريُّ حديث (باب الصِّدِّيق) أصحُّ، وقال الحاكم تفرَّد به مسكين بن بُكَير الحرَّاني عن شُعْبة.

قال ابن عساكر وهو وهم.

قلتُ قد تابعه إبراهيم بن المختار، وقال اليَعْمريُّ وأراد عمر رضي الله تعالى عنه فتح كوَّةٍ لينظر إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم منهَا، فمنعه من ذلك، وقال عليه السَّلام للعبَّاس رضي الله تعالى عنه مَا فتحتُ عن أمري ولا سددتُ عن أمري، انتهى.

فائدة لا خفاء أنَّ ذلك تعريضٌ بالخلافة بعده، ثمَّ إن أُريدَ بهذا القول الحقيقة؛ فالمعنى أنَّ أصحاب المنازل اللَّاصقة بالمسجد قد جعلوا بيوتهم مخترقا يمرُّونَ فيه إلى المسجد، فأمر بسدِّ جملة الأبواب سوى باب الصِّدِّيق تكريمًا له بذلك أوَّلًا، ثمَّ تنبيهًا للنَّاس في ضمن ذلك على أمر الخلافة ثانيًا؛ حيث جعله مستحقًّا لذلك دون سائر النَّاس، وإن أريد به المجاز؛ فهو كناية عن الخلافة، وسدِّ أبواب المقالة دون التطرُّق إليها.

قال التوربشتي أراد المجاز في ذلك أقوى؛ إذ لم يصحَّ عندنا أنَّ أبا بكرٍ كان يسكن بجنب المسجد، وإنَّما كان منزله بالسَّنحِ من عوالي المدينة.

خاتمة

إن قلتَ مَا الفرق بيت الخلَّة والمودَّة حيث نفى الأولى وأثبت الثَّانية.

قلتُ هما بمعنى واحدٍ، لكن يختلفان باعتبار المتعلِّق، فالمثبتة (مَودَّة) وهي بحسب الإسلام والدِّين والمنفيَّة ما كانت بجهة أخرى، ولهذا قال في الحديث الَّذي بعدَهُ بدلَ لفظ (المودَّة) لفظ (الخلَّة) حيث قال خلَّة الإسلام.

الجوهريُّ الخليل الصَّديق؛ أي الودود، أو يقال الخلَّة أخصُّ وأعلى مَرْتبةً من المودَّة، فنفى الخاصَّ وأثبت العامَّ.

إن قلتَ ما المفضَّل عليه، إذ ليس المراد بفضل المودَّة على الخلَّة.

قلتُ الأفضل بمعنى الفاضل.

ج 1 ص 285

إن قلتَ المقصود من السِّياق أفضليَّة أبي بكر وكلُّ الصَّحابة داخلون تحت أخوَّة الإسلام، فمن أين لزم أفضليَّته.

قلتُ تُعْلَم الأفضليَّة ممَّا قَبْله وممَّا بعدَه، ثمَّ إنَّ المودَّة الإسلاميَّة متفاوتة، وما ذاك إلَّا بحسب تفاوتهم في إعلاء كلمة الله تعالى وتحصيل كثرة الثَّوابِ، وذلك هو معنى الأفضليَّة، أو الأفضل إنَّما هو على حقيقته ومَعْناه أنَّ مودَّةَ الإسلام معه أفضل من مودَّته مع غيره، انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت