فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 6723

36 -تنبيه ترجم البخاريُّ لهذا الحديث بأنَّ الأعمال من الإيمان؛ لأنَّه لمَّا كان الإيمان هو المخرج له في سبيل الله تعالى، فإنَّ الخروج إيمانًا تسميةً للشَّيء باسم سببه، كما قيل للمطر سماء؛ لنزوله منهَا، وللنَّبات نوءً؛ لأنَّه ينشأ عنه.

فائدة أورد البخاريُّ هذا الحديث بين قيام ليلة القدر وبين قيام رمضان وصيامه، ومناسبة إيراده هنا واضح، وأمَّا إيراده بين البابين، فأقول قال الكرمانيُّ صنيعه هذا دالٌّ على أنَّ النَّظر مقطوع عن غير هذه المناسبة، يعني اشتراكهما في كونهما من خصال الإيمان، وأقول بل قيام ليلة القدر، وإن كان ظاهر المناسبة لقيام رمضان، لكنَّ الحديث الَّذي أورده في باب الجهاد مناسبته بالتماس ليلة القدر حَسَنة جدًّا؛ لأنَّ التماسَ ليلة القدر يستدعي محافظة زائدة ومجاهدة تامَّة، ومع ذلك فَقدْ يوافقها أوْ لا، وكذلك المجاهد يَلْتمسُ الشَّهادةَ ويقصد إعلاء كلمة الله تعالى، وقد يحصل له ذلك أوَّلًا فتناسبا في أنَّ كلٍّ منهمَا مجاهده، وفي أنَّ كلًا منهمَا قد يحصل المقصود الأصليَّ لصاحبه أو لا، فالقائم لالتماس ليلة القدر مأجور، فإن وافقها، كان أعظم أجرًا، والمجاهد لالتماس الشَّهادة مأجور، فإن وافقها، كان أعظم أجرًا، ويشير إلى تمنِّيه عليه السَّلام الشَّهادة، فذكر المؤلف فضل الجهاد، لذلك استطرادًا ثمَّ عاد إلى ذكر قِيامِ رمضان، وَهُو بالنِّسبة لقيام ليلة القدر عامٌّ بعد خاصٍّ، ثمَّ ذكر بعد ذلك (باب الصِّيام) ؛ لأنَّ الصِّيام من التُّروك، فأخَّره عن القيام؛ لأنَّه من الأفعال، ولأنَّ اللَّيل قبل النَّهار.

ولعلَّه أشار إلى أنَّ القيام مشروع من أوَّل ليلة في الشَّهر خلافًا لبعضهم، قاله شيخنا.

قوله (انْتَدَبَ اللهُ) أي ضمن وتكفَّل أو أجاب رغبته.

وقال ابن بطَّال أوجب وتفضَّل إن حقَّق وأحكم أن ينجز له ذلك لمن أخلص، انتهى.

أو سارع بثوابه وحسن جزائه.

فائدة (انتدب) بالنُّون، وعن القابسيِّ (ائتدب) بهمزة صورتها ياء من المأدبة، ومعناه أجاب الله من دعاه إلى غفرانه.

الجوهريُّ ندب لأمر فانتدب له؛ أي دعاه له فأجاب، فههنا كأن اللهَ جَعَل جهادَ العباد في سبيل الله سؤالًا ودعاءً له أتاه.

وفي «مسلم» تضمَّن الله، وفي أخرى له أيضًا تكفَّل الله، ومعناه أوجب تفضُّلًا أي حقَّق وحكم أن ينجز له ذلك، وهو موافق لقوله تعالى {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى} [التَّوبة111] الآية.

قوله (إِيْمَانٌ بِيْ وَتَصْدِيْقٌ بِرُسُلِيْ)

وقال الكرمانيُّ السِّياق يقتضي أن يُقال إيمان به، فعدل عن الغَيْبة إلى الخطاب التفافًا، أو ذكرًا على سبيل الحكاية من قوله تعالى.

وقال ابن مالك في «الشَّواهد» كان اللَّائق في الظَّاهر أن يكونَ بدل الياء الهاء، فلا بدَّ من التَّأويل، وهو تقدير اسم فاعل من القول منصوب على الحال، كأنَّه قال انتدب الله لمن خرج

ج 1 ص 60

في سبيله قائلًا «لا يخرجه إلَّا إيمان بي» ويجوز أن تكون الهاء في (سبيله) عائدًا إلى (مَنْ) ، ولـ (سبيله) نعتٌ محذوف؛ أي سبيله المرضية، ثمَّ أضمر بعدَ سبيلِه قال، ونحوه، ولا مَوْضعَ له من الإعرابِ، انتهى.

ورأيتُ في كلام ابن المرجل قال وقوله (كان الأليق) فيه إساءة أدب، وإنَّما هو من باب الالتفات، ولا حاجةَ إلى تقديرِ حالٍ؛ لأنَّ الحالَ لا يجوز حَذْفه.

قولُه (أَوْ تَصْدِيْقٌ) وفي بعضها بالواو، وهو ظاهر.

إن قلت إذا كان بـ (أو) الفاصلة فما معناه، إذ لا بدَ من الأمرين للإيمان، والتَّصديق برسل الله؛ قلتُ (أوْ) معناها هنا امتناع الخلوي منهما مع إمكان الجمع بينهما؛ أي لا يخلو عن أحدهما، وقد يَتجمعَان بل يلزم الاجتماع؛ لأنَّ الإيمان بالله مُسْتلزم لتصديق رسله، إذ من جملة الإيمان بالله الإيمان بأحكامه وأفعاله، وكذا التَّصديق برسله مستلزم للإيمان بالله، وهو ظاهر، والمستثنى منه أعمّ عامِّ الفاعل؛ أي لا يخرجه مخرج إلَّا الإيمان أو تصديق، وفي بعضها إيمانًا وتصديقًا بالنَّصب فيهما، وفي جميع نسخ «مسلم» (إيمانًا بي وتصديقًا برسلي» بالنَّصب، قال النَّوويُّ منصوبٌ [على أنَّه] مفعول له تقديره لا يخرج المخرج إلا الإيمان والتصديق.

قوله (أُرْجِعْهُ) رجع جاء لازمًا من الرجوع ومتعديًا من الرجع.

قوله (نَالَ) أي؛ أصاب وجاء على لفظ الماضي لتحقق وعد الله تعالى.

قوله (أَوْ أُدْخِلَهُ) مَنْصوب؛ لأنَّه عُطِفَ على (أرجعه) .

إن قلت جميع المؤمنين يدخلهم الله الجنَّة، فما وجه اختصاصهم بذلك؟

قلتُ قال البيضاويُّ يُحتمَل أن يُدخلَه عند موته كما قال تعالى {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُوْنَ} [آل عمران169] ، ويُحتمَل أن يكون المراد الدُّخول عند دخول السَّابقين والمقرَّبين بلا حساب وعذاب، ولا مؤاخذة بذنوب، وتكون الشَّهادة مكفِّرة لها.

وأقول للمجاهد حالتان الشَّهادة والسَّلامة، فالجنَّة للحالة الأولى، والأجر والغنيمة للثَّانية.

فإن قلت لفظة (أَوْ) في قوله (أَوْ غَنِيْمَةٍ) تدلُّ على أنَّ للسَّالم إمَّا الأجر وإمَّا الغنيمة لا كلاهما؛ قلتُ معناها أنَّ اللَّفظ لا يَنْفي إجتماعهما، بل يَثْبت أحدهما مع جواز ثبوت الآخر، فقد يجتمعان.

إن قلت ههنا حالة ثالثة للسَّالم وهو الأجر بدون الغنيمة؛ قلتُ هذه الحالة داخلة تحت الحالة الثَّانية، إذ هي أعمُّ من الأجر فقط، أو منه مع الغنيمة.

وقد جاء في «مسلم» مع [ما نال] من أجر وغنيمة، فيُحتمَل أن تكون (أو) بمعنى الواو.

إن قلت الأجر ثابت للشَّهيد الدَّاخل في الجنَّة، فكيف يكون السَّالم والشَّهيد مفترقين في أنَّ لأحدهما الأجر وللآخر الجنَّة، مع أنَّ الجنَّة أيضًا أجر؟

قلتُ هذا أجرٌ خاصٌّ، والجنَّة أجرٌ أعلى منه، فهما متغايران، أو أنَّ القسمين هما الرَّجع والإدخال لا الأجر والجنَّة.

قوله (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ) (لولا) هي الامتناعيَّة لا التَّحضيضَّة؛ أي امتناع عدم القعود؛ أي القيام لوجود المشقَّة على الأمَّة.

قوله (لَوَدِدْتُ) اللَّام هي في جواب لولا، ويجوز حذفها كما حُذِفَت من (مَا قَعَدْتُ) .

إن قلت لا مشقة على الأمَّة في ودادة الرَّسول؛ لأنَّ غاية ما في الباب وجوب المتابعة في الودادة وليس فيها مشقَّة؛ قلتُ ودادته لا نسلِّم أنَّه ليس فيها مشقَّة، ولئن سلَّمنا؛ فربَّما ينجر إلى تشريع مودوده فيصير سببًا للمشقَّة.

أو نقول اللَّام فيه جواب لقسم محذوف، انتهى كلام الكرمانيِّ.

وفي (كتاب الجهاد) «والَّذي نفسي بيده لوددتُ» انتهى.

قال الكرمانيُّ وإنَّما جعل النِّهاية القتل، والقرار إنَّما هو على الحياة؛ لأنَّ المراد هو الشَّهادة فختم الحال عليها.

أو أنَّ الإحياء للجزاء هُوَ مَعْلوم شرعًا، فلا حاجة إلى ودادته؛ لأنَّه ضروريُّ الوقوع، وثَمَّ ههنا وإن دلَّ على التَّراخي في الزَّمان حمله على التَّراخي في الرُّتبة هو الوجه لأنَّ المتمنَّي حصول مرتبة بعد مرتبة إلى أن يَنْتهي إلى الفردوس الأعلى.

تَنْبيه قوله (لَوَدِدْتُ) هو من كلام النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ويؤيِّده مَا في صحيح الحاكم من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، وقاله على شرط مسلم «أسألك يا ربُّ أن تردَّني إلى الدُّنيا، فأُقتَل في سبيلك عشر مرَّات؛ لما رأى من فضل الشَّهادة» .

وله عن جابر صحيحًا كان عليه السَّلام إذا ذكر أصحاب أُحُد قال والله لوددتُ

ج 1 ص 61

أنِّي غودرتُ مع أصحابي بفحص الجبل، وبعضهم ينقل أنَّ قوله (لوددت) من كلام أبي هريرة، وهو بعيد.

فائدة فيه من الفوائد عدم نقصان الأجر بالغنيمة، فإنَّها بفضل الله والأجر على القتال وأهل بدر أفضل المجاهدين، ولم ينقصهم أخذهم الغنيمةَ.

وأمَّا الحديث «ما من غازية أو سريَّة تغزو وتغنم وتسلم إلَّا كانوا قد تعجَّلوا ثلثي أجرهم، وما من غازية أو سريَّة تخفق أو تصاب إلَّا تمَّ أجورهم» .

و (الإخفاق) أن يغزو فلا يغنم شيئًا، فالجواب عنه من أوجه

أحدها الطَّعن في هذا في إسناده حميد بن هانئ وليس بالمشهور، ولكنَّ أخرج له مسلم، وكذا «التِّرمذيِّ» و «النَّسائيِّ» و «ابن ماجه» ، وذكره يونس في «تاريخه» .

الثَّاني أنَّ الَّذي يخفق يزداد من الأجر بالأسف على ما فاتها من المَغْنم، ويضاعف لها كما يضاعف لمن أُصيب بأهله وماله.

الثَّالث حمل الأوَّل على من أخلص في النِّيَّة؛ لقوله «لا يخرجه إلَّا إيمان بي» وحمل الثَّاني على من خرج بنيَّة الجهاد والمغنم.

قال عيَّاض والأوجه استعمال كلِّ حديث على وجهه، فأجر من لم يغنم أعظم من أجر من غنم.

وقال النَّوويُّ الصَّوابُ أنَّه لا تعارض بينهما، فإنَّ الَّذي لا يجوز غيره في معنى الحديث أنَّ الغزاة إذا سلموا وغنموا يكون أجرهم أقلُّ من أجر من لم يسلم أو سلم ولم يغنم، وأنَّ الغنيمة في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت، فقد تعجَّلوا ثلثي أجرهم وهذا موافق للأحاديث الصَّحيحة عن الصَّحابة، ومنهَا قولهم فمنَّا من مات لم يأكل من أجره شيئًا، ومنَّا من أينعت له ثمرته فهو يَهْدُبُها؛ أي يجتنيها، فهذا هو الصَّواب، ولم يأتِ حديث صريح يخالف هذا، وقد أختار القاضي معنى هذا بعد حكايته أقوالًا فاسدة، فلا تعارض إذن؛ لأنَّ الحديث الأوَّل لم يقل فيه أنَّ الغنيمة لا تنقص الأجر، فهو مطلق، والثَّاني مقيَّد.

وأمَّا الاستدلال بغزوة بدر فليس فيه لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجورهم مع الغنيمة وكونهم مغفورًا لهم مرضيًّا عنهم لا يلزم منه أن لا يكون فوقه مَرْتبة أخرى هي أفضل، ثمَّ ضعَّف بقيَّة الأقوال الَّتي حكاها القاضي بمعارضتها لصريح الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت