فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 6723

35 -قوله (مَنْ يَقُمْ) قال فيما تقدَّم «من قام رمضان» و «من صام رمضان» بالماضي، وهنا بلفظ المضارع؛ لأنَّ قيام رمضان وصيامَه محقَّق الوقوع، فجاء بلفظ يدلُّ عليه بخلاف قيام ليلة القدر، فإنَّه غير متيقَّن، فلهذا ذكره بلفظ المُسْتقبل.

إن قلت ما بال الجزاء لم يطابق الشَّرط في الاستقبال مع أنَّ المغفرة في زمن الاستقبال؟

قلتُ إشعار بأنَّه متيقَّن الوقوع محقَّق الثُّبوت فضلًا من الله سبحانه على عباده.

إن قلت لفظ (من يقم ليلة القَدْر) هل يقتضي قيام تمام اللَّيلة أو يكفي أقلُّ ما ينطبق عليه اسم القيام فيها؟

قلتُ يكفي في القيام الأقلُّ، وعليه بعض الأئمَّة، حتَّى قيل بكفاية أداء فرض صلاة العشاء دخوله تحت القيام فيها.

لكنَّ الظَّاهر منه عرفًا أنَّه لا يقال (قام اللَّيلة) إلَّا إذا قام كلَّها أو أكثرها، والمراد القيام للطَّاعة، كأنَّه معهود من قوله تعالى {وَقُوْمُوا لِلَّهِ قَانِتِيْنَ} [البقرة238] ، وهو حقيقة شرعيَّة فيه.

وقال شيخنا في «فتحه» استدلَّ النُّحاة بهذا في استعمال الشَّرط مُضَارعًا، والجواب ماضيًا، وعندي في الاستدلال به نظر؛ لأنِّي أظنُّه من تصرُّف الرُّواة، فقد رواه النَّسائيُّ عن محمَّد بن علي بن ميمون عن أبي اليمان شيخ البخاريِّ، فلم يغاير بين الشَّرط والجزاء، وكذلك رواه أبو نعيم في «المستخرج» عن سليمان وهو الطَّبرانيُّ عن أحمد بن عبد الوهَّاب أبي نجدة عن أبي اليمان، ولفظه «لا يقوم أحدكم ليلة القدر فيوافقها إيمانًا واحتسابًا؛ إلَّا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه» الحديث.

وقوله (فَيُوَافِقُها) زيادة بيان، وإلَّا؛ فالجزاء مرتَّب على قيام ليلة القدر، ولا يَصْدق قيام ليلة القدر إلَّا على من وافقهَا.

والحَصْر المُسْتفادُ من النَّفي والإثباتِ مستفاد من الشَّرط والجزاء، فوضح أنَّ ذلك من تصرُّف الرُّواة بالمعنى؛ لأنَّ مخرج الحديث واحد، أنَّهما في استعمال الشَّرط مضارعًا والجواب ماضيًا نزاع بين النُّحاة، فمنعه الأكثر وأجازه آخرون، لكن نقله واستدلُّوا بقوله تعالى {إِنْ نَّشَأْ نُنَزِّلُ عَلَيْهِمْ مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ} [الشُّعراء4] ؛ لأنَّ قوله تعالى (فظلَّت) بلفظ الماضي، فهو تابع للجواب، وتابع الجواب جواب، واستدلُّوا أيضًا بهذا الحديث.

قوله (إِيْمَانًا وَاحْتِسَابًا) تصديقًا بأنَّه حقٌّ طاعة.

و (احْتِسَابًا) إرادة وجه الله لا لرياء ونحوه، وانتصب مفعول له أو تمييز، انتهى.

ويجوز كونه مصدرًا في موضع الحال، ومفعولًا لأجله، ومثله {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا} [سبأ13] كذا عن أبي البقاء، انتهى.

وقال الكرمانيُّ إن قلت هل يصحُّ أن يكون حالًا بأن يكونَ المصدر في معنى اسم الفاعل؛ أي مؤمنًا محتسبًا؛ قلتُ حينئذ لا يدلُّ على ترجمة الباب، إذ المفهوم فيه ليس إلَّا أنَّ القيامَ في حال الإيمان، اللَّهمَّ إلَّا أن يُقالَ كونه في حال الإيمان وفي زمانه مُشْعر بأنَّه مِن جملته وتكلَّف الكلفة في وجه توجيهه ظاهر.

إن قلت فالتَّمييز والمفعول له لا يدلَّان أيضًا على أنَّه من الإيمان؛ قلتُ (مَن) للابتداء، فمعناه أنَّ القيام مَنْشَأُه الإيمان، فيكون للإيمان، أو من جهة الإيمان.

إن قلت شرط التَّمييز أن يقع موقع الفاعل، نحو طاب زيدٌ نفسًا، قلتُ إطِّراد هذا الشَّرط ممنوع، ولئن سلَّمنا فهو أعمُّ من أن يكونَ فاعلًا بالفعل أو بالقوَّة، كما تأوَّل طار عمروٌ فرحًا، بأنَّ المراد طيَّره الفرح، فهو في معنى إقامة الإيمان.

قوله (مِنْ ذَنْبِهِ) كلمة (مِن) إمَّا متعلِّقة بقوله غُفِرَ؛ أي (غُفِرَ له من ذنبه مَا تقدَّم) فهو منصوب المحلِّ، أو هي مبيِّنة لما تقدَّم، فهي مرفوعة المحلِّ؛ لأنَّ ما تقدَّم هو مفعول ما لم يُسمَّ فاعله.

إن قلت (الذَّنب) عامٌّ؛ لأنَّه اسم جنس مضاف، فهل يقتضي مغفرة ذنبً متعلِّق بحقِّ النَّاس؟

قلتُ لفظه مُقْتَضٍ لذلك، لكن عُلِمَ من الأدلَّة الخارجيَّة أنَّ حقوق العباد لا بدَّ

ج 1 ص 59

من رضا الخصوم، فهو عامٌّ اختصَّ بحقِّ الله بالإجماع ونحوه ممَّا يدلُّ على التَّخصيص، ويحتمل أن تكون تبعيضيَّة.

فائدة قال ابن بطَّال هذا الحديث حجَّة على أنَّ الأعمال إيمان؛ لأنَّه جعل القيام إيمانًا.

خاتمة

التَّيميُّ يُحتمَل أن يكون المراد من الحديث أنَّه بعد أن يَعْلَم أنَّها ليلة القدر، فيقومها، ويجوز أن يكون ندبًا منه إلى قيام هذه اللَّيالي الّتي الغالب أنَّ فيها ليلة القدر، فإذا قام هذه اللَّيالي معتقدًا أنَّ فيها ليلة القدر مؤمنًا بأنَّ صلاته فيها سبب للمغفرة، محتسب بفعلها أجرًا.

وأقول فهذا توجيه آخر إذ جعل المؤمن به السَّببيَّة للمغفرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت