فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 6723

32 -إشارة (غندر) بالدَّال المفتوحة المهملة، وهو المشهور، وحكى الجوهريُّ ضمَّها.

والغندرة التَّشغيل، وأهل الحجاز يسمُّونه المشغب، وسبب تسميته به أنَّ ابن جريج قدم البصرة فأجتمع النَّاس عليه، فحدَّث بحديث عن الحسن وأنكر النَّاس عليه، فكان محمَّد يكثر الشَّغب عليه، فقال اسكت يا غندر.

قوله {الَّذِيْنَ آمَنُوا} [الأنعام82] الآية، إن قلت من آمن لزم أنَّ من لبس الإيمان بظلم لا يكون آمنًا، ولا مهتديًا حتَّى يشقَّ عليهم.

قلتُ من تقديم (لهم) على (الأمن) ؛ أي لهم الأمن لا لغيرهم، ومن تقديم (هم) على (مهتدون) .

قال الزَّمخشريُّ في قوله تعالى {كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} [المؤمنون100] إنَّه للتَّخصيص؛ أي هو قائلها لا غير.

إن قلت لا يلزم من قوله تعالى {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيْمٌ} [لقمان13] ، غير أنَّ الشِّرك لا يكون ظلمًا.

قلتُ التَّنوين في (بظلم) للتَّعظيم، فكأنَّه قال لم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم، فلمَّا تبيَّن أنَّ الشِّرك ظلم عظيم عُلِمَ أنَّ المراد لم يلبسوا إيمانهم بشرك.

إن قلت لم ينحصر الظِّلم العظيم على الشِّرك؛ قلتُ عظمة هذا الظُّلم معلومة بنصِّ الشَّارع، وعظمة غيره غير معلومة، والأصل عدمها.

إن قلت كيف دلَّت القصَّة على التَّرجمة؛ قلتُ لمَّا عُلِمَ أنَّ بعض أنواع الظُّلم كفر وبعضها ليس بكفر، فبعضها دون بعض، انتهى كلام الكرمانيِّ.

وقال الشَّارح شيخ والدي رحمهما الله تعالى مناسبة الحديث للتَّبويب أنَّ الإيمان تمامه بالعمل، وأنَّ المعاصي تُنقِصه ولا تخرجه إلى الكفر.

فائدة قال الخطَّابيُّ كان الشِّرك عند الصَّحابة أكبر من أن يُلقَّب بالظُّلم فحملوا الظُّلم في الآية على ما عداه؛ يعني من المعاصي، فسألوا عن ذلك؛ فنزلت هذه الآية كذا قاله وفيه نظر.

والَّذي يظهر لي أنَّهم حملوا الظُّلم على عمومه الشِّرك فما دونه، وهو الَّذي يقتضيه صنيع المؤلِّف، وإنَّما حملوه على العموم؛ لأنَّ قوله (بظلم) نكرة في سياق النَّفي، لكنَّ عمومها هنا بحسب الظَّاهر، قال المحقِّقون إن دخل عليه النَّكرة في سياق النَّفي ما يؤكِّد العموم ويقوِّيه نحو (من) في قوله ما جاءني من رجل، أفاد تنصيص العموم وإلا فالعموم مستفاد بحسب الظَّاهر كما فهمه الصَّحابة من هذه الآية، وبيَّن لهم عليه السَّلام أنَّ ظاهرها غير مراد، بل هو من العامِّ الَّذي أُريد به الخاصُّ، فالمراد بالظُّلم أعلى انواعه وهو الشِّرك.

تنبيه في هذا الحديث تأخير البيان

ج 1 ص 56

إلى وقت الحاجة، كذا استنبطه المازريُّ والنَّوويُّ وغيرهما.

ونازع في ذلك القاضي عيَّاض؛ لأنَّه ليس في هذه القصَّة تكليف عمل، بل تكليف اعتقاد بتصديق الخبر عن المؤمن، واعتقاد التَّصديق لازم لأوَّل وروده، فما هي الحاجة المؤخَّرة إلى البيان؟

لكنَّهم لمَّا أشفقوا؛ بيَّن لهم المراد، انتهى.

فائدة هل الظُّلم في الآية الشِّرك أو سائر أنواع الظُّلم؟ قولان

ونقل الأوَّل عن أُبَيٍّ وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما عملًا بهذا الحديث.

واختلفوا على الثَّاني فقيل إنَّها عامَّة ويؤيِّدة حديث في مسند عبد، وقيل خاصَّة، نزلت في إبراهيم عليه السَّلام، ليس لهذه الأمَّة منهَا شيء؛ قاله عليٌّ، وقيل إنَّها فيمن هاجر إلى المدينة؛ قاله عكرمة.

وقال بعضهم (لم يلبسوا) أي لم يخالطوا.

قال محمَّد بن إسماعيل التَّيميُّ خلط الإيمان بالشِّرك لا يُتَصوَّر، فالمراد أنَّه لم تحصل لهم الصِّفتان كفرٌ متأخرٌ عن إيمان متقدِّم؛ أي لم يرتدُّوا، أو يجوز أن يُراد أنَّهم لم يجمعوا بينهما ظاهرًا وباطنًا لم ينافقوا، وهذا أوجه، ولهذا عقَّبه البخاريُّ بـ (باب علامات المنافق) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت