31 -قوله (أريد أنصر هذا الرَّجل) قال الكرمانيُّ يعني عليُّ بن أبي طالب، وقيل عثمان، انتهى.
أقول في «البخاريِّ» (أُريد نصرة ابن عمِّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) ولم أرَ ما قاله في كلام أحد، وعثمان ابن عمٍّ أيضًا.
إن قلت السُّؤال عن المكان، والجواب عن الفعل، فلا تطابق بينهما؛ قلتُ المراد أريد مكانًا أنصر.
إن قلت فلم منع أبو بكرة الأحنف منه ولم يمتنع بنفسه منه؛ قلتُ ذلك أيضًا اجتهاديٌّ، وكان اجتهاده أدَّى إلى الامتناع والمنع، فهو أيضًا مُثاب في ذلك، انتهى.
قال ابن عبد البرِّ أن أبا بكرة اعتزل يوم الجمل ولم يقاتل مع واحد من الفريقين.
إن قلت لفظة (في النَّار) مشعرة بحقيقة مذهب المعتزلة حيث قالوا بوجوب العقاب للعاصي، قلتُ لا، إذ معناه حقُّهما أن يكونا في النَّار، وقد يعفوَ الله عنهمَا، نحو قوله تعالى {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النِّساء93] ؛ معناه هذا جزاؤه، وليس بلازم أن يُجازى، واعلم أنَّ أبا بكرة استدلَّ بهذا على العموم، وليس كذلك، فقد قال القرطبيُّ قال علماؤنا هذا في غير أصحاب النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، بدليل قوله تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ} [الحجرات9] ، وقد أخرج البزَّاز حديث «إذا اقتتلتم على الدُّنيا؛ فالقاتل والمقتول في النَّار» ، ولا بدَّ من الجواب عن حمل أبي بكرة هذا الحديث على العموم، ويظهر في الجواب أن يفهم من القرطبيِّ قال علماؤنا الإجماع، فيكون حدث إجماع بعدَ أبي بكرة.
ويحتمل أنَّه أراد علماء المالكيَّة، فينظر الجواب.
قوله (هَذَا القَاتِلُ) هو مبتدأ.
قوله (كَانَ حَرِيْصًا)
إن قلت قالوا في قوله تعالى {ما اكتسبت} [البقرة286] اختيار بأنَّ الافتعال للإشعار بأنَّه لا بدَّ في الشَّرِّ من الإعمال والمعالجة بخلاف الخير، فإنَّ النِّيَّة المجرَّدة فيه يُثاب عليه، فما وجه كون المقتول بمجرَّد القصد في النَّار، وقال عليه السَّلام «إنَّ الله تجاوز لأمَّتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم يعملوا أو يتكلَّموا به» .
وفي الحديث الآخر «إذا همَّ عبدي بسيِّئة فلا تكتبوها عليه» .
قلتُ هذا من عزم على المعصية بقلبه ووطَّن نفسه عليها أثم في اعتقاده وعزمه، ولهذا جاء بلفظ الحرص، فيما نحن فيه، ويُحتمَل مَا وَقع في هذه الظَّواهر وأمثالها على أنَّ ذلك فيما لم يوطِّن نفسَه عليهَا، وإنَّما مرَّ ذلك
ج 1 ص 55
بفكره من غير استقرار، ويسمَّى هذا همًّا، ويُفرَّق بين الهمِّ والعزم، وأنَّ هذا العزم يُكتَب سيِّئة، فإذا عملها، كُتِبَ معصيةً ثانيةً.
إن قلت لِمَ أدخل الحرصَ على القتل وهو صغيرة في سلك القتل وهو كبيرة؟
قلتُ أدخلهما في سلك واحد في مجرَّد كونهما في النَّار فقط، وإن تفاوتا صغرًا و كبرًا، وغير ذلك.
وقال النَّوويُّ إن قيل إنَّما سمَّاهما الله سبحانه في الآية مؤمنين، وسمَّاهما النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث (مسلمين) حال الالتقاء لا حال القتال وبعدَه.
الجواب دلالة الآية ظاهرةٌ، فإنَّ في قوله تعالى {فَأَصْلِحُوْا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات10] سمَّاهما تعالى (أخوين) وأمر بالإصلاح بينهما؛ لأنَّهما عاصيان قبل القتال، وَهو من حين سَعَيَا إليه وقصداه، وأمَّا الحديث؛ فمحمول على معنى الآية.