فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 6723

30 -قوله (وَاصِلٍ) بْنِ حَيَّانَ إن أخذتَه من الحين؛ ينصرف، ومن الحياة؛ فلا.

فائدة مذهب أبي ذرٍّ الغفاريِّ يحرم على الإنسان ادِّخار ما زاد على حاجته.

و (سَابَبْتُ) شاتمتُ، أو يكون بمعنى شتمتُ.

قوله (فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ) إن قلت هذا التَّعيير كان هو نفس السَّبب، فكيف تصحُّ الفاء بينهما.

إن قلت شرط المعطوفين مغايرتهما؛ قلتُ هما متغايران بحسب المفهوم من اللَّفظ، ومثل هذه الفاء تُسمَّى بالفاء التَّفسيريَّة، وذلك نحو قوله تعالى {فَتُوْبُوْا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة54] حيث قالوا القتل هو نفس التَّوبة.

إشارة قوله (يَا بَا ذَرٍّ) أصله يا أبا ذر، فحذف الهمزة للعلم بها تخفيفًا.

قوله (أَعَيَّرْتَهُ؟) الاستفهام للتَّقرير أو للإنكار التَّوبيخي، وفيه ردٌّ على من منع أن يُقال عيَّره بكذا، وإنَّما يُقال (عيَّر أمَّه) وردُّوا على من قال

~أيُّها الشَّامت المعيِّر بالدَّهر

والحديث حجَّة عليهم.

قوله (إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ) إن قلت أصل الكلام أن يُقال (خولكم إخوانكم) لأنَّ المقصود هو الحكم على الخول بالأخوَّة، قلتُ التَّقديم إمَّا للاهتمام ببيان الأخوَّة، وإمَّا لحصر الخول على الإخوان؛ أي ليسوا إلَّا؛ أي إخوانًا.

قال بعض علماء المعاني المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين أيَّ تعريف كان يفيد التَّركيب الحصر.

وإمَّا أنَّه من باب القلب المورث لملاحة الكلام نحو

~نم وإن لم أنم كراي كراكا شاهدي الدَّمع إنَّ ذاك كذاكا

فائدة (خَوَلُكُمْ) خول الرَّجل حشمه، الواحد خائل، وقد يكون (الخول) واحدًا، وهو اسم يقع على العبد والأمة.

قال الفرَّاء هو جمع خائل، وهو الرَّاعي.

وقال غيره هو من التَّخويل وهو التَّمليك، وقيل الخول الخدم، وسُمُّوا به؛ لأنَّهم يتخولون الأمور؛ أي يصلحونها.

تنبيه (إِخْوَانُكُمْ) بالنَّصب؛ أي احفظوا إخوانكم، ويجوز الرَّفع على معنى هم، وعن أبي البقاء النَّصب أجود، لكنَّ البخاريَّ رواه في (بدأ الخلق) هم إخوانكم، وهو يرجِّح الرَّفع؛ قاله والدي الحافظ رحمه الله تعالى.

وقال الأصفهانيُّ كأنَّه قال هم إخوانكم، ثمَّ أراد إظهار هؤلاء الإخوان، فقال خولكم.

قوله (تَحْتَ أَيْدِيْكُمْ) مجاز عن القدرة أو عن الملك، والأخوَّة أيضًا ههنا مجاز عن مطلق القرابة؛ لأنَّ الكلَّ أولاد آدم، أو عن أخوَّة الإسلام، والمماليك الكفرة، إمَّا أن يجعلهم في هذا الحكم تابعين للمماليك المؤمنة، أو تخصيص هذا الحكم بالمؤمنة.

قوله (مِمَّا تَأْكُلْ) إن قلت ما الفائدة في العدول عن المطابقة، حيث لم يقل (ممَّا يَطْعم) كما قال (ممَّا يلبس) ؛ قلتُ الطَّعم جاء بمعنى الذَّوق، فلو قال (ممَّا يطعم) لتوهَّم أنَّه يجب الإذاقة ممَّا يذوق، وذلك غير واجب.

إن قلت هذه الأوامر الثَّلاثة هل هي للوجوب أم لا، وكذا النَّهي؛ هل هو للتَّحريم أم لا؟

قلتُ اختلف العلماء في الأمر والظَّاهر الوجوب، لكنَّ الأكثر على أنَّه للاستحباب، وأمَّا النَّهي؛ فهو للتَّحريم اتِّفاقًا.

إشارة (التَّكْلِيْفُ) تحميل الشَّخص شيئًا معه كلفة، وقيل هو الأمر بما يشقُّ وما يغلبهم؛ أي ما يصير قدرتهم فيه مغلوبة؛ أي ما يعجزون عنه لِعُظْمِهِ أو صعوبته؛ أي لا يُكلَّف ما لا يُطاق، أو يقرب منه، وحذف المفعول الثَّاني من كلَّفتموهم، وهو ما يغلبهم.

فائدة عن الوليد بن مسلم قال كان بين بلال وبين أبي ذرٍّ رضي الله تعالى عنهما

ج 1 ص 54

محاورة، فعيَّره أبو ذرٍّ لسواد أمِّه، فانطلق بلال إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يشكي إليه تعييره بذلك، فأمره أن يدعوَه، فلمَّا جاء أبو ذرٍّ قال له «أسببتَ بلالًا وعيَّرته لسواد أمِّه؟» قال نعم، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم «ما كنتُ أحسب أنَّه بقي في صدرك من أمر الجاهليَّة شيء» فألقى أبو ذرٍّ نفسه بالأرض، ثمَّ وضع خدَّه على التُّراب وقال والله لا أرفع خدِّي من التُّراب حتَّى يطأ بلالٌ خدِّي بقدميه، فوطئ خدَّه بقدمه.

خاتمة

غرض البخاريِّ الرَّدُّ على الخوارج في قولهم المذنب من المؤمنين يُخلَّد في النَّار كما دلَّت عليه الآية، ويُغفَر ما دون ذلك، والمراد به من مات على الذُّنوب، ولو كان المراد من تاب قبل الموت لم يكن للتَّفرقة بين الشِّرك وغيره معنًى، إذ التَّائب من الشِّرك قبل الموت مغفور له.

أقول وفي ثبوت غرض البخاريِّ من الراد عليهم دغدغة، إذ لا نزاع لهم في أنَّ الصَّغيرة لا يكفر صاحبها، والتَّعيير بنحو يا ابن السَّوداء؛ صغيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت