29 -لطيفة زيد بن أسلم مولى عمر، له حلقة في المسجد الشَّريف، وكان عليٌّ بن الحسن يجلس إلى زيد فقيل له تتخطَّى مجالس قومك إلى عبد عمر، فقال إنَّما يجلس الرَّجل إلى مَن ينفعه في دينه.
أردف البخاريُّ هذا الباب بالَّذي بعده؛ لينبِّه على أنَّ المعاصي تُنقِص الإيمان، ولا يخرج إلى الكفر الموجب للخلود في النَّار؛ لأنَّهم ظنُّوا أنَّه الكفر بالله سبحانه، فأجابهم عليه السَّلام أنَّه أراد كفرهنَّ حقَّ أزواجهنَّ، وذلك لا محالة يُنْقِص من إيمانهنَّ؛ لأنَّه يزيد بشكرهنَّ العشير وبأفعال البرِّ، فظهر بهذا أنَّ الأعمال من الإيمان وأنَّه قول وعمل.
وإخراجه له هنا أيضًا؛ لينبَّه على أنَّ الكفر قد يُطلَق على كفر النِّعمة وجحد الحقِّ، وهو في أصله في اللُّغة ككفران العشير والإحسان، إذ لم يرد الكفر بالله، فيفسَّر به كلَّما أُطلِقَ على الكفر من المعاصي فيما علم من الأحاديث، لقوله عليه السَّلام «لا ترجعوا بعدي كفَّارًا» .
و «أيَّما عبد أبق من مواليه، فقد كفر حتَّى يرجع إليهم» و «أمَّا من قال مطرنا بنوء كذا؛ فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب» ، و «بين الشِّرك والكفر ترك الصَّلاة» .
قوله (كُفْرٌ دُوْنَ كُفْرٍ) الكفر أنواع، وسيأتي، وقد أطلق الشَّرع الكفر على ما سوى الأنواع الأربعة، وهو كفران الحقوق والنِّعم لهذا الحديث وغيره، وهذا مراد البخاريِّ بقوله (وكفر دون كفر) ، وفي بعض الأصول (بعد كفر) وهو بمعنى الأوَّل.
قوله (أُرِيْتُ النَّارَ) بضمِّ الهمزة وبضمِّ التَّاء وهو بمعنى التَّبصير، الضَّمير هو القائم مقام المفعول الأوَّل، و (النَّارَ) المفعول الثَّاني، والموصول بصلته صفة لازمة للنَّار، لا صفة مخصَّصة، إذ ليس المراد تخصيص نار بهنَّ.
و (يَكْفُرْنَ) استئناف كأنَّه جواب سؤال سائل يا رسول الله! لِمَ؟ وفي بعض الرِّوايات (أُريتُ النَّار فرأيتُ أكثر أهلها النِّساء) وهو بفتح (أكثر) و (النِّساء) بدون (فرأيتُ) زيادة (فرأيتُ) وفي بعضها (أريتُ النَّار أكثر أهلها النِّساء) فـ (أكثر) بدل من النَّار، و (النِّساء) هو المفعول الثَّالث، و (أريتُ) بمعنى أُعلِمْتُ، وبضمِّها، فيكون (أكثر) مبتدأ، و (النِّساء) خبره، والجملة الإسميَّة حال بدون الواو، نحو {اهْبِطُوْا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة36] .
وفي بعضها (بِكُفْرِهِنَّ) فالباء للسَّببيّة وهي متعلِّقة بـ (أكثر) ، أو بفعل الرُّؤية المقيَّدة.
قوله (يَكْفُرْنَ العَشِيْرَ)
إن قلت لمَ لم يُعَدِّ كفر العشير بالباء كما عدَّى الكفر بالله؟
قلتُ لأنَّه ليس متضمِّنًا لمعنى الاعتراف بخلافه.
و (يَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ) كأنَّه بيان لقوله (يكفرن العشير) إذ المقصود كفران إحسان العشير لا كفران ذاته.
واللَّام في (العشير) للعهد أو للجنس أو للاستغراق.
إن قلت أنَّها الأصل في اللَّام؛ قلتُ الجنس وهو الحقيقة فتُحمَل عليها، إلَّا إذا دلَّت قرينة على التَّخصيص أو التَّعميم، فتتبع القرينة حينئذ، وهذا حكم عامٌّ لهذه اللَّام في جميع المواضع.
قوله (لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ)
إن قيل (لو) لامتناع الشَّيء لامتناع غيره، فكيف صحَّ هنا هذا المعنى؟
قلتُ هو هنا بمعنى أن؛ أي لمجرَّد الشَّرطيَّة، ومثله كثير.
ويُحتمَل أن يكون من قبيل (نِعْمَ العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصِه) ، بأن يكون الحكم ثابتًا على النَّقيضين،
ج 1 ص 52
والظَّرف المسكوت عنه أولى من المذكور، انتهى كلام الكرمانيُّ.
تنبيه قول عمر رضي الله تعالى عنه (نعم العبد صهيب) مال إليها ابن السُّبكيِّ، لم أرَ هذا الكلام في شيء من كتب الحديث لا مرفوعًا ولا موقوفًا، لا عن النَّبيِّ عليه السَّلام ولا عن عمر، مع شدَّة الفحص، انتهى.
وقال السُّبكيُّ وافق ابن العربي نسبه إلى عمر بن الخطَّاب، إلَّا أنَّه لم يُبْدِ له إسنادًا.
وقال العراقيُّ شيخ والدي رحمهما الله تعالى لا أصل لهذا الحديث عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولم أقف له على إسناد قط في شيء من كتب الحديث وبعض النُّحاة ينسب إلى عمر من قوله ولم أرَ له إسنادًا إلى عمر، انتهى.
وقال ابن الدَّمامينيِّ وفي «الحلية» في ترجمة سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه حديث رفعه من طريق عمر بن الخطَّاب، قال سمعتُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول «إنَّ سالمًا شديد الحبِّ لله عزَّ وجلَّ، لو كان لا يخاف الله مَا عصاه» وكذا رأيته بخطِّ شيخنا ابن حجر، قال إنَّه في «الحلية» مرفوعًا.
قوله (الدَّهْرَ) منصوب على الظَّرفيَّة، وهو بمعنى الأبد، والمراد منه دهر الرَّجل؛ أي مدَّة عمره.
ويُحتمل أيضًا مدَّة بقاء الدَّهر مطلقًا على سبيل الفرض مبالغةً في كفرانهنَّ وسوء مزاجهنَّ.
وليس المراد بهذا الخطاب مخاطبًا خاصًّا، بل كلُّ مَن يتأتى منه أن يكون مخاطبًا به، وهذا على سبيل التَّجوُّز، إذ أصل وضع الضَّمير أن يكون مستعملًا لمعين مشخَّص.
إن قلت لو لم يكن عامًّا؛ لما جاز استعماله في كلِّ مخاطب كزيد مثلًا حقيقة؛ قلتُ عامٌّ باعتبار أمر عامٍّ لمعنى خاصٍّ بخلاف العلم، فإنَّه خاصٌّ بالاعتبارين، وههنا قاعدة كثيرة النَّفع، وهي أنَّ اللَّفظ قد يُوضَع وضعًا عامًّا لأمورٍ مخصوصةٍ كاسم الإشارة، فإنَّه يُوضَع باعتبار المعنى العامِّ الَّذي هو للإشارة الحسِّيَّة للخصوصيَّات الَّتي تحته؛ أي لكلِّ واحدٍ ممَّا يُشار إليه ولا يُراد به عند الاستعمال العموم على سبيل الحقيقة، وقد يُوضَع وضعًا عامًّا لموضوع له عامٌّ، نحو الرَّجل، فلا يراد به خاصٍّ حقيقةً، وهو عكس الأوَّل، وقد يُوضَع وضعًا خاصًّا لموضوع له خاصٌّ، نحو العلم، وملخَّصه أنَّ الموضع ثلاثة أقسام من الموضوعات، وضع باعتبارعامِّ لموضوع له عامٌّ، نحو الرَّجل، ووضع باعتبار عامٍّ لموضوع خاصٍّ نحو اسم الإشارة، ووضع باعتبار خاصٍّ لموضوع خاصٍّ، نحو زيد.
والمضمرات من القسم الأوسط، فإذا أريد عند الاستعمال بالضَّمير الَّذي في (أحسنت) مخاطب معيَّن كان حقيقة؛ لأنَّه على وفق وَضْعه، وإذا أريد به كلُّ من يصحُّ منه كونه محسنًا كان مجازًا، ومثله قوله تعالى {وَلَوْ تَرَى إِذِ المُجْرِمُوْنَ نَاكِسُو رُؤُوْسِهِمْ} [السَّجدة12] .
قوله (شَيْئًا) التَّنوين للتَّحقير أوالتَّقليل، أو لهما؛ أي شيئًا حقيرًا أو قليلًا لا يوافق مزاجهما.
(باب كفران العشير
قال ابن العربيِّ خصَّ كفران العشير من بين أنواع الذُنوب؛ لدقيقة بديهة، وهو قوله عليه السَّلام «لو أمرتُ أحدًا أن يسجد لأحد؛ لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها» فقرن حقَّ الزَّوج على الزَّوجة بحقِّ الله سبحانه، فإذا كفرت المرأة حقَّ زوجها وقد بلغ من حقِّه عليها هذه الغاية كان ذلك دليلًا على تهاونها بحقِّه سبحانه؛ فلذلك أطلق عليها الكفر لكنَّه كفرٌ لا يُخرِج عن الملَّة، انتهى) [1] .
خاتمة
قال بعض العلماء الكفر أربع أنواع كفر إنكار وكفر جحود وكفر معاندة وكفر نفاق، وهذه الأربعة من لقي الله بواحدة منها لم يغفرله.
فكفر الإنكار أن يكفر بقلبه ولسانه، وأن لا يعرف ما يُذكَر له من التَّوحيد.
وكفر الجحود أن يعرف بقلبه ولا يقرُّ بلسانه، ككفر إبليس.
وكفر المعاندة أن يعرف بقلبه ويقرَّ بلسانه ويأبى أن يقبل الإيمان بالتَّوحيد، ككفر أبي طالب، وكفر النفاق ظاهر.
[1] ما بين قوسين قبل باب الظلم دون المظالم وهنا مكانه الصَّحيح.