فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 6723

27 -فائدة (سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) آخر العشرة موتًا.

إشارة (الرَّهْطُ) أصله الجماعة دون العشرة من الرِّجال لا يكون فيهم امرأة، وقيل دون الأربعين، والجمع أرهط وأرهاط.

قوله (أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ) إن قلت السِّياق يقتضي أن يُقال أعجبهم إليه، حيث قال (وسعد جالس) ، ولمَ لم يقل (وأنا جالس) ؟

قلتُ هذا التفات من الغَيْبة إلى التَّكلُّمِ.

إن قلت فهل في قوله (وسعد جالس) التفات حيث قال (وأنا) ؟

قلتُ فيه خلاف عند علماء المعاني من قال الانتقال من التَّكلُّم إلى الخطاب والغيبة لا بدَّ أن يكونَ محقِّقًا، فلا التفات عندَه، إذ لا نقل حقيقة، ومن قال الانتقال فيه أعمُّ من أن يكون محقَّقًا أو مقدَّرًا كما هو مذهب صاحب «المفتاح» ، ففيه أيضًا التفات من التَّكلُّم الَّذي هو مقتضى المقام إلى الغَيْبة.

ومعنى (أَعْجَبُهُمْ) أي أفضلهم وأصلحهم في اعتقادي.

قوله (لَأَرَاهُ) بفتح الهمزة، ولا يجوز ضمُّها.

قال النُّوويُّ على أن يُجعَل بمعنى (أظنُّه) ؛ لأنَّه قال ثمَّ غلبني ما أعلم منه؛ ولأنَّه راجع النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم مرارًا، فلو لم يكن جازمًا باعتقاده؛ لما كرَّر المراجعة.

أقول ويجوز الضَّمُّ كما في الرِّوايات، ويكون (أعلم) بمعنى (أظنُّ) ، كما في قوله تعالى {فَإِنْ عَلِمْتُمُوْهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة11] ؛ بمعنى ظننتموهنَّ، والرُّجوع مرارًا لا يَسْتلزم الجزمَ؛ لأنَّ الظَّنَّ يلزم متابعته اتِّفاقًا، انتهى كلام الكرمانيِّ.

وقال القرطبيُّ أبو العبَّاس إنَّ الرِّواية بالضَّم.

قوله (أَوْ مُسْلِمًا) بسكون الواو، قال صاحب «التحرير» هذا حكم على فلان بأنَّه غير مؤمن.

وقال النَّوويُّ ليس فيه إنكار كونه مؤمنًا بل معناه النَّهي عن القَطْع بالإيمان لعَدَم موجب القطع.

وقد غَلِطَ من توهَّم كونه حكمًا بعدم الإيمان، بل في الحديث إشارة إلى إيمانه، وَهُوَ قوله (لأعطي الرَّجلَ وغيرُه أحبُّ إليَّ منه) .

أقول فَعَلى هذا التَّقدير لا يكون الحديث دالًّا على مَا عُقِدَ له الباب، وأيضًا لا يكون لردِّ الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم على سَعْدٍ فائدة.

ولئن سلَّمنا أنَّ فيه إشارة إليه، فذلك حصل بعد تكرارِ سَعْدٍ إخباره بإيمانه، وجاز أن يُنْكر أوَّلًا، ثمَ يُسَلِّم آخرًا؛ لحصول أمرٍ يفيد العلم به.

قوله (وَغَيْرُهُ) مبتدأ، و (أَحَبُّ) خبره، والجملة حاليَّة، و (خَشْيَةَ) منصوب بأنَّه مفعول له.

(لَأُعْطِي) سواء فيه رواية التَّنوين مع تنكيره وتقدير لفظة (مِن) ؛ أي خشية من أن يكبَّه الله.

ورواية الإضافة مع تعريفه؛ لأنَّه مُضَافًا إلى (أن) مع الفعل، و (أن) مع الفعل معرفة.

ويجوز في المفعول لأجله التَّعريف والتَّنكير، والمفعول الثَّاني من باب (أعطيت) محذوف، والحذف إمَّا للتَّعميم؛ أي أعطيه

ج 1 ص 50

أيَّ شيء كان، أو يجعل المتعدِّي إلى اثنين كالمتعدِّي إلى واحد؛ أي أوجد هذه الحقيقة، يعني إعطاء الرَّجل، والفائدة فيهمَا المبالغة.

قوله (أَنْ يُكِبَّهُ اللهُ) بفتح أوَّله وضمِّ الكاف، ثلاثيٌّ، يقال أكبَّ الرَّجل وكبَّه الله، وهذا إنَّما غريب، فإنَّ المعروف أن يكون الفعل اللَّازم بغير همز فيُعدَّى بها، وهنا عكسه.

وقد أشار البخاريُّ إلى ذلك في موضع في صحيحه.

وقال المحقِّق سعد الدِين قد يُنقَل الشَّيء إلى أفعله فيصير لازمًا، وذلك نحو أكبَّت وأعرض، يقال كبَّه؛ أي ألقاه على وجهه فأكبَّه، وعرضه؛ أي أظهره فأعرض.

قال الزَّوزنيُّ ولا ثالث لها ممَّا سمعناه، انتهى.

فائدة لا يلزم من هذا أن يكون ذلك الرَّجل ممَّن قوي في الإيمان؛ لاحتمال أن يكون المراد منه غيره تعريضًا بنحو سَعْد رضي الله تعالى عنه.

إن قلت هذا النَّوع من الكلام أهو مجاز أم كناية؟

قلتُ الكبُّ في النَّار لازم الكفر، فأطلق اللَّازم وأراد الملزوم، فهو كناية.

إن قلت لم لا يكون مجازًا من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللَّازم؟ اذ الملازمة في الكناية لا بدَّ أن تكونَ مُسَاويةً، وإن اعترضتَ بأنَّ الكبَّ قد يكون للمَعْصية فلا يَسْتلزم الكفر، أجبتُ بأنَّ المرادَ من الكبِّ كبٌّ مخصوص لا يكون إلَّا للكافر، وإلَّا فلا تصحُّ الكناية أيضًا، قلتُ شرط المجاز امتناع اجتماع مَعْنيي المجاز والحقيقة، وههنا لا امتناع في اجتماع الكفر والكبِّ، فهو كناية لا غير.

خاتمة

قول البخاريِّ رواه فلان وفلان، به ثلاث فوائد

الأولى بيان كثرة طرقه، وليزيد الحديث قوَّةً وصحَّة.

الثَّانية أن يعلم رواته ليتبع رواياتهم ومسانيدهم من رغب في شيء مِن جمع الطُّرق أو غيره بمعرفة متابعة أو استشهاد وغيرهما.

الثَّالثة أن يعرف أنَّ هؤلاء المذكورين رَوَوْه فقد يتوهَّم مَن لا خبرة له أنَّه لم يروه المذكور في الإسناد، فربَّما رآه في كتاب آخر ممَّن غيره فتوهَّمه غلطًا، فإذا قيل رواه فلان أيضًا زال ذلك الوهم.

وأقول والفائدة الرابعة الوفاء بشرطه صريحًا أو شرطه على ما قال بَعْضهم أن يكون لكلِّ حديث راويان وأكثر.

والخامسة أن يصير الحديث مستفيضًا، فيكون حجَّة عند المجتهدين الَّذين اشترطوا كون الحديث مشهورًا في تخصيص القرآن ونحوه، والمستفيض؛ أي المشهور ما زاد نقلته على الثَّلاث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت