318 -قوله (يَا رَبِّ) بحذف ياء المتكلِّم، وفي مثله يجوز فيه يا ربِّي، ويا ربِ، ويا ربَّا، وبالهاء وقفًا.
قوله (نُطْفَةٌ) بالنَّصب عند القابسيِّ؛ أي جعلتَ أنا المني نطفة في الرَّحم، أو صار نطفةً، أو خلقت أنت نطفة، وبالرَّفع خبر مبتدأ محذوف أي هذه نطفة.
إن قلتَ كيف يكون الشَّيء الواحد نطفة علقة مضغة؛ قلتُ هذه الأخبار الثَّلاثة تَصْدر من الملك في أوقات متعدِّدة لا وفي وقت واحد.
إن قلتَ الخبر فائدته إعلام المخاطب بمضمونه أو إعلامه بعلم المتكلِّم به، وتُسمَّى الأولى فائدة الخبر، والثَّانية لازم فائدة الخبر، ولا يتصوَّر أنَّ هنا؛ لأنَّ الله علَّام الغيوب؛ قلتُ ذلك إذا كان الكلام إيرادًا على مقتضى الظَّاهر، أمَّا إذا عُدِل عن الظَّاهر؛ فلا يلزم أحدها كما في قوله تعالى حكاية عن أمِّ مريم {إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} [آل عمران36] فالغرض من الإخبار فيما نحن فيه التماس إتمام خَلْقه والدُّعاء بما بإفاضة الصُّورة الكاملة عليه، والاستعلام من ذلك ونحوهما.
قوله (أَنْ يَقْضِيْ خَلْقَهُ) أي يُتمَّ خلقه، وجاء القضاء بمعنى الفراغ أيضًا.
قوله (أَذَكَرٌ) إن قلتَ (ذكر) مبتدأ أو خبر؛ قلتُ مبتدأ وقد يخصَّص بثبوت أحدهما، إذ السُّؤال فيه عن التَّعيين، فصلح الابتداء به، وفي بعضها ذُكِرَ بالنَّصب؛ أي أتريد أن يُخلَق ذكرًا، وكذا (شقيًّا و سعيدًا) ، أو اجعل ذكرًا أم أنثى؟ أو شقيًا أم سعيدًا.
ج 1 ص 220
قوله (شَقِيٌّ أَمْ سَعِيْدٌ) إن قلتَ أم المتَّصلة مَلْزومة لهمزة الاستفهام، فأين هي؟
قلتُ مقدَّرة، ووجودها في قرينتها تدلُّ عليها.
قال الشَّاعر
~بسبع رمين الجمر أم بثمان
أي أبسبعٍ، انتهى كلام الكرمانيِّ.
إشارة ذكر ابن هشام في «المغني» أنَّ هذا لعمر بن أبي ربيعة.
~بدا لي منها معصم حين جمرت وكفٍّ خضيب زُيِّنَت ببنان
~فو الله ما أدري وإن كنت داريًا بسبع رمين الجمر أم بثمان
قوله (ومَا الرِّزْقُ) أصحُّ التَّعاريف له ما ينتفع العبد به، و (الأَجَلُ) هو الزَّمان الَّذي علم الله تعالى أنَّ الشَّخص يموت فيه، أو مدة حياته؛ لأنَّه يُطْلَق على غاية المدَّة، وعلى نفس المُدَّة.
قوله (فَيَكْتِب) أي الله تعالى، وَالظَّاهر أنَّه الملك، وفي بعضها بصيغة المجهول، وقال الكرمانيُّ إن قلتَ الكتابة حقيقة أو مجاز عن التَّقدير أو إلزام، قلتُ حقيقة؛ لأنَّها أمرٌ ممكن، والله تعالى على كلِّ شيءٍ قديرٌ، أو مجاز عن التَّقدير.
إن قلتَ التَّقدير أزليٌّ لا أنَّه حَصَل في بطن أمِّه؛ قلتُ الحاصل في البطن تعلُّقه بالمحلِّ الموجود، وسُمِّيَ قدرًا، وما كان في الأزل كان أمرًا عقليًّا محضًا، ويُسمَّى قضاء أو مجاز عن الإلزام وعدم الانفكاك عنه، وهو ظاهرٌ.
إن قلتَ (البَطْن) ظرفٌ، لماذا؟ إذ ليس هو المكتوب فيه كما تقول كتبتُ في الدَّار؛ قلتُ هُوَ المكتوب فيه، والشَّخص هو المكتوب عليه، وقد رُوِيَ أنَّها تُكتَب على الجبهة الأمور الأربعة.
خاتمة
هذا جامعٌ لجميع أحوال الشَّخص، إذ فيه بيان حال المبدأ، وهو خَلْقه ذكرًا أو أنثى، وحال المعاد وهو السَّعادة والشَّقاوة ومَا بينَهما وهو الأجل، ومَا يتصرَّف فيه وهو الرِّزق، وقد جاء أيضًا فرغ الله تعالى من أربع من الخَلق والخُلق والأجل والرِّزق، و (الخَلْق) بفتح الخاء إشارة إلى الذُّكورة والأنوثة، وبضمِّها إلى السَّعادة وضدَّها.