314 -قوله (حَدَّثَنَا يَحْيَى) نقل الكرمانيُّ كلام الغسَّانيِّ في «التَّقييد» عن ابن السَّكن أنَّه ابن موسى، وذكر الكلاباذيُّ أي يحيى بن جعفر البيكندي مرويٌّ عن ابن عيينة، ثمَّ قال أقول في بعض النُّسخ الَّتي عندنا هكذا حدَّثنا يحيى بن جعفر البيكندي، حدَّثنا ابن عيينة، ولفظ (قَالَ) هو بيانٌ لأمرها.
إن قلتَ كيف يكون بيانًا للاغتسال وهو إيصال الماء إلى جميع البشرة لا أخذ الفرصة؛ قلتُ السُّؤال لم يكن عن نَفْس الاغتسالِ؛ لأنَّ ذلك مَعْلومٌ لكلِّ أحدٍ، بل ممَّا كان مختصًّا بغسل الحَيْض، فلذلك أجاب به، أوْ هو جملةٌ حاليَّةٌ لا بيانيَّةٌ.
فائدة (المِسْك) بكسر الميم الطِّيب المعروف، وهو معرب، وكانت العرب تسمِّيه المشموم، ورُوِيَ بفتح الميم، وهو الجلد.
قال إنَّما هي رواية الأكثرين، وقال الكرمانيُّ ولفظ البخاريِّ مُشْعر بأنَّ الرِّواية عندَه (مَسْك) بفتح الميم، حيث جعل لأمر الطِيب بابًا مُسْتقلًّا وترجمةً مُسْتقلَّة، وقال النَّوويُّ (المِسْك) بكسر الميم هو الصَّحيح المختار الَّذي قاله ورواه المحقِّقون، وعليه الفقهاء وغيرهم، ويدلُّ الحديث على التَّرجمة، وهو (دلكها نفسها) ، بأنَّ تتبُّع أثر الدَّم يَسْتلزمه، وقال ابن الملقِّن وكأنَّه أراد أصل الحديث، إذ في (ثمَّ تصبُّ على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتَّى تبلغ شؤون رأسها) .
خاتمة
يحيى قال جمهور العلماء يعنى قوله (أثر الدَّم) الفَرْج، وقال المحامليُّ في (كتاب المقنع) أنَّه يُستحبُّ أن تطيِّب جميع المواضع الَّتي أصابها الدَّم من بدنها، وظاهر الحديث حجَّة له؛ قاله الكرمانيُّ.
اعلم أنَّ هذا من السُّنن، فإن تركته؛ كُرِهَ، وكذلك النُّفساء، فتجعل المسك في قطنة وتدخلها الفرج، وهو المراد بـ (الإثر) بكسر الهمزة مع إسكان
ج 1 ص 216
الثَّاء وفتح الهمزة والثَّاء معًا، و (المَرْأَة) قال الكرمانيُّ هي أسماء بنت يزيد ابن السَّكن، وَوَقَع في «مسلم» بنت شَكْل الكاف مفتوحة وساكنة.
قال ابن الملقِّن تبع مسلمًا على ذلك جماعات منهم ابن طاهر وأبو موسى في مَعْرفة الصَّحابة، وقال الخطيب إنَّها بنت يزيد بن السَّكن، وبه جزم ابن الجَوْزيِّ في تلقيحه، لكن جزم بالأوَّل في شكل الصَّحيحين، ويجوز بعدد الواقعة ويؤيده تَفْريق ابن منده بين التَّرجمتين، وإنَّ ابن سعد والطَّبرانيَّ وغيرهما لم يذكروا هذا الحديث في ترجمة بنت يزيد، ولم ينفرد مسلم بذلك، فهذا أخرجه ابن أبي شيبة في «مُسْنده» ، وأبو نُعيم في «مستخرجه» كما ذكره مسلمٌ سواء، و (الفِرصَة) الكرمانيُّ بقاف مضمومة، ونقله عن ابن قتيبة وأبي عبيد، وحكى أبو داود (قرصة) بالقاف؛ أي شيئًا يسيرًا، وعن ابن قتيبة (قرضة) بالقاف والضَّاد المعجمة، وعن أبي عُبيدٍ قُرْصةً من مسكِ؛ أي قطعةً من جلدِ يحكُّ بهَا موضع الدَّم، مثله الفاء الكرمانيُّ بكسر الفاء والصَّاد المهملة القطعة، يُقال فرصت الشَّيء فرصًا؛ أي قطعتُ، انتهى.
وما قاله المحامليُّ شاذٌّ لا يُعرَف لغيره، والصَّحيح أو الصَّواب أنَّ المقصودَ به تطييب المحلِّ ودفع الرِّيح الكريهة لا سُرْعة العلوق، فلذلك كان الأصحُّ أنَّها تَسْتعمله بعد الغُسْل، ويُستحبُّ للبكر والخليَّة وغيرهما، ومن علَّله بسرعة العلوق عكس ذلك، وتستغنى من ذلك المحدَّة والمحرمة، فإن لم يجد الطِّيب؛ استعمل الطِّين بالنُّون؛ لأنَّه يقطع الرَّائحة، فإن فقدته؛ اقتصرت على الماء، وعبارة المحرم تقتضي التَّخيير بين المسك ونحوه، وعبارة المنهاج أحسن؛ لتقدُّم المسك، وعبارة الأصحاب أولى؛ لتصريحهم بالمسك ثمَّ الطِّيب، ثمَّ الطِّين، وقال في «التُّحفة» تستغني المحدَّة والمحرمة، فلا يُسنُّ لهما المسك ونحوه، بل يستعملان قليلًا من قسطٍ أو أظفارٍ، وكلام الرَّافعيِّ في العدد يفهم تحريم المسك على المحدَّة والمحرمة أولى منهمَا بالتَّحريم.
قال الأذرعيُّ يكون التَّتبُّع بعدَ الغسل على المذهب، وقيل قبله، وفي مسلمٍ التَّصريح بخلافه.