26 -قوله (الإِيْمَانُ) بدأ هنا بالإيمان ثمَّ بالجهاد ثمَّ الحجِّ، وفي حديث ابن مَسْعود رضي الله تعالى عنه بالصَّلاة لميقاتها، ثمَّ برُّ الوالدين، ثمَّ الحجِّ.
وفي حديث أبي موسى السَّالف «أيُّ الإسلام خير؟ قال يُطْعم الطَّعام ... » إلى آخره.
والجمع مِن وجوهٍ أشبهها أنَّه جرى علا اختلاف الأحوال والأشخاص.
الثَّاني أنَّ لفظة (مَن) مُزادَة، والمراد مِن أفضل الأعمال.
قوله (أَفْضَلُ) أي أكثر ثوابًا عندَ الله، وأفعل التَّفْضيل لا بدَّ أن يُستَعمل بأحد الأوجه الثَّلاثة، ولا يجوز زيد أفضل إلَّا أن يكون مَعْلومًا، نحو الله أكبر.
و (الجِهَادُ) إمَّا مبتدأ محذوف الخبر، أو خبر محذوف المبتدأ، وكذا أخواه.
إشارة (المَبْرُوْرُ) الَّذي لا يخالطه إثم، ومنه برَّت يمينه إذا سلم من الخبث أو هو المقبول، ومِن علامته أنَّه إذا رجع يكون حاله خير من حاله الَّذي قبله، أو هو الَّذي لا رياء فيه، أو هو الَّذي لا تتعقبه معصية وهما داخلان فيما قبلها.
والبرُّ الطَّاعة والقبول، يُقال بَرَّ حجُّك، بفتح الباء وضمِّها لازمين، وبرَّ الله حجَّك، وأبرَّ الله حجَّك؛ أي قبله، فله أربع استعمالات.
قوله (ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ) إن قلت لم عرَّف الجهاد ونكَّر الإيمان والحجَّ؟
قلتُ لا فرق بين مؤدى المعرفة بالتَّعريف الجنسيِّ ومؤدى النَّكرة، ولقرب المسافة بين أن يعرَّف الاسم هذا التَّعريف، وبين أن يُترَك غير معرَّف به يُعامَل معاملة غير المعرَّف، قال
~ولقد أمرُّ على اللَّئيم يسبُّني
والمعنى لقد أمرُّ على اللَّئيم، ولذلك يقدَّر (يسبُّني) وصفًا لا حالًا، هذا من جهة النَّحو.
وأمَّا عند أهل المعاني؛ فهو أنَّ الإيمان والحجَّ لا يتكرَّر وجوبه، بخلاف الجهاد، فإنَّه قد يتكرَّر، فالتَّنوين للإفراد الشَّخصيِّ، والتَّعريف للكمال، إذ [1] الجهاد لو أُتي به مرَّة مع الاحتياج الى التكرار لما كان أفضل.
فإن قلت كيف قدَّم الجهاد على الحجِّ مع أنَّ الحجَّ من أركان الإسلام، والجهاد فرض كفاية.
الجواب إنَّ الجهاد قد يتعيَّن كسائر فروض الكفايات، وإذا لم يتعيَّن لم يقع إلَّا فرض كفاية، وأمَّا الحجُّ فالواجب منه واحدة، وَمَا زاد نفلٌ، فإن قابلت واجب الحجِّ لمتعيُّن الجهاد، كان الجهاد أفضل؛ لهذا الحديث ولأنَّه شارك الحجَّ في الفرضيَّة وزاد بكونه نفعًا متعدِّيًا إلى سائر الأمَّة، وبكونه ذبًّا عن بَيْضةِ الإسلام، أو لأنَّه كان في أوَّل الإسلام ومحاربة أعدائه.
وقد قيل (ثُمَّ) ههنا للتَّرتيب في الذِّكر؛ كقوله تعالى {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِيْنَ آمَنُوْا} [البلد17] .
وقيل (ثمَّ) لا يقتضي ترتيبًا، وإن قابلت فعل الحجِّ بغير متعيِّن الجهاد، كان الجهاد أفضل؛ لما أنَّه يقع فرض كفاية وهو أفضل من النَّفل بلا شكٍّ، بل قال إمام الحرمين فرض الكفاية عندي أفضل من فرض العين من حيث إنَّ فعله مسقِطٌ للحرج عن الأمَّة بأسرها، وبتركه يعصي المتمكِّنون منه كلُّهم.
[1] في الأصل (إذا) .