فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 6723

25 -قوله (أُمِرْتُ)

فائدة العدول عن التَّصْريح دعوى اليقين والتَّعويل على شهادة العقل.

إشارة أصح التَّعاريف للأمر هو القول الطَّالب للفعل، والمفهوم منه أنَّ الله هو الآمر، وكذا إذا قال الصَّحابيُّ أُمِرنا بكذا؛ فُهِمَ منه أنَّ الرَّسول عليه السَّلام هو الآمر له.

قوله (أَنْ أُقَاتِلَ) أي بأن أقاتل، وحذْفُ الجارِّ من (أن) كثير شائع مطَّرد، والنَّاس قالوا أُريدَ به عبدة الأوثان دون أهل الكتاب؛ لأنَّ القتال يسقط عنه بقبول الجزية.

ج 1 ص 46

إن قلت لم خصَّصوا بالعَبَدَة؟

قلتُ لأنَّ الأدلَّة الخارجيَّة مثل {حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ} [التَّوبة29] دلَّت عليه.

قال الطَّيبيُّ هو من العامِّ الَّذي خُصَّ منه البعض؛ لأنَّ القَصْدَ الأوَّليَّ من هذا الأمر حصول هذا المطلوب؛ لقوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ} [الذَّاريات56] الآية، فإذا تخلَّف منه أحدٌ في بَعْضِ الصُّوَر لعارضٍ لا يَقْدَحُ في عمومه، ألا ترى أنَّ عبدة الأوثان إذا وقعت المهادنة معهم تَسْقط المقاتلة وتثبت العصْمة؟

قال ويجوز أن يُعبَّر بمجموع الشَّهادتين وفعل الصَّلاة والزَّكاة عن إعلاء كلمة الله سبحانه وإذعان المخالفين، فيحصل في بَعْضهم بذلك وفي البَعْض بالجزية وفي الآخرين بالمُهادنة.

وقال أيضًا الاحتمال قائم في أنَّ ضربَ الجزية كان بعدَ هذا القول.

وأقولُ أو الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام، وسبب السَّبب سببٌ، فكأنَّه قال حتَّى يُسْلموا أو يَلْزموا ما يؤديهم إلى الإسلام، أو المراد حتَّى يُسْلموا أو يُعْطوا الجزية، فاكتفى بما هو المقصود الأصليُّ من خلق الخلائق، أو المقصود من القتال هو وَمَا يقوم مقامَه نحو أخذ الجزية، أو من الإسلام هو أو ما يقوم مقامه، نحو إعطاء الجزية.

وكلُّ هذه التَّأويلات لمَّا ثبتت بالإجماع أنَّ الجزية مسقِط للمقاتلة.

وحتَّى هي غاية القتال، ويُحتمَل أن يكون غايةً للأمر به.

قوله (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهَ) اعلم أنَّهم قالوا لا يصحُّ أن يُجعَل لفظ الجلالة خبرًا لأنَّ لفظ الجلالة مستثنًى من مذكور، وهو (إله) ، والمستثنى من مذكور لا يصحُّ أن يكون خبرًا للمستثنى منه؛ لأنَّه لم يذكر إلَّا ليتبين به مَا قُصِدَ بالمُسْتثنى منه؛ ولأنَّ المستثنى منه عامٌّ، ولفظ الجلالة خاصٌّ، والخاصُّ لا يكون خبرًا للعامِّ، بل الواجب أن يكون الخبر عامًّا أو مساويًا للمبتدأ، ولهذا لا يصحُّ أن يقال الحيوان إنسان، ويصحُّ العكس، وهو قولنا (الإنسان حيوان) ،ولأنَّ لفظ الجلالة معرفة، و (لا) لا يعمل في المعرفة.

والخبر المقدَّر هو قولنا (في الوجود) لا لنا، وذلك لأنَّ تقدير لنا وتقييد المنفيِّ به يزيل عمومه ويخصِّصه، فلا يكون هذا القول إقرارًا بالوحدانيَّة على الإطلاق.

واعترض الرَّازي على النُّحاة بأنَّ التَّقدير في كلمة الشَّهادة (لا إله في الوجود إلَّا الله) بأنَّ هذا المنفيَّ عامٌّ مستغرق، فنقيِّده بقولهم (في الوجود) يزيلُ عمومَه ويخصِّصه، فلا يكون هذا القول إقرارًا بالوحدانيَّة على الإطلاق.

وأجيب بأنَّ الإله حقيقة من له الخلق والأمر، ومن له الخلق والأمر يكون موجودًا ضرورة؛ لامتناع إسناد من له الخلق والعدم إلى العدم ينعكس بعكس النَّقيض إلى ما ليس بموجود ليس بإله، فنفي الإله في الوجود يفيد العمومَ المقصودَ الَّذي هو عامٌّ على إطلاقه، وبأنَّ المراد بقول النُّحاة في الوجود المطلق الصَّادق على العينيِّ والعلميِّ، فإذا نفى الإله في الوجود؛ يلزم نفيه مطلقًا، فإنَّ مَا لا يوجد بأحد الوجود من لا حقيقة له أصلًا

ج 1 ص 47

فالنَّفي عامٌّ على هذا، والإقرار على هذا الوجه إقرار بالوحدانيَّة على إطلاق هذا آخر ما شاهدته بخطِّ العلَّامة عزِّ الدِّين الحاضريِّ رحمه الله تعالى.

قوله (إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ) قال الطَّيبيُّ إلَّا بحقِّ الإسلام استثناء مفرَّغ، والمستثنى منه أعمُّ عام الجارِّ والمجرور.

و (العصمة) متضمِّنة لمعنى النَّفي؛ حتَّى يصحَّ تفريغ الاستثناء، إذ هو شرطه؛ أي لا يجوز إهدار دمائهم واستباحة أموالهم لسبب من الأسباب إلَّا بحقِّ الإسلام من قتل النَّفس وترك الصَّلاة ومنع الزَّكاة.

وأمَّا تقديم (وَتُقِيْمُوا وَتُؤْتُوا) وإزالتهما عن مقرِّهما هذا وعطفهما على الشَّهادة؛ فللدَّلالة على أنَّهما بمنزلتها في كونها غايةٌ للقتال إيذانًا بأنَّهما أُمَّا العبادات.

قوله (فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ) إن قلت المشار إليه بعضُه تركٌ فكيف أطلق الفعل إليه؟

قلتُ إمَّا باعتبارات عمل اللِّسان، وإمَّا على سبيل التغلُّب للاثنين على الواحد.

فائدة الإضافة في (بحقِّ الإسلام) إمَّا بمعنى اللام أو بمعنى من أو بمعنى في.

قوله (عَلَى اللهِ) لفظةُ (على) مُشْعرة بالإيجاب في عُرْف الاستعمال، فهو على سبيل التَّشبيه؛ أي هو كالواجب على الله في تحقُّق الوقوع، وإلَّا؛ فالأصل فيه أن يُقال حسابهم لله أو إلى الله، أو هو واجب عليه شرعًا بحسب وعده.

وأمَّا عند المعتزلة؛ فهو ظاهر؛ لأنَّهم يقولون بوجوب الحساب عليه عقلًا.

إشارة أمَّا تعلُّق هذا الباب بكتاب الإيمان؛ فهو أن يعلم منه أنَّ من آمن صار مَعْصومًا، ويحتمل أن يكون من جهة أن يعلم أنَّ الإقامة والإيتاء من جملة الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت