240 -إشارة عمرو بن ميمون الأوديُّ حجَّ مئة حجَّة.
قوله (بَيْنَا) هو (بين) ، وزيدت الألف لإشباع الفتحة، وهو مُضَافٌ إلى الجملةِ الَّتي بعدَهُ، والعامل فيه، إذ قال بعضهم للَّذي يجيء في الحديثِ بعدَ التَّحويل إلى الإسناد الثَّاني.
قوله (جُلُوْسٌ) هو خبر (أصحاب) وخبر (أبي جَهْل) محذوفٌ؛ أي جالسٌ؛ لقوله
~نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأيُ مختلف
أو هو خبرٌ لأبي جهل وأصحابه جميعًا.
إشارة (السَلَى) بالمهملة المفتوحة وخفَّة اللَّام، مقصورًا، هو اللُّفافة الَّتي فيهَا الولد في، وهي من الآدميَّة مشيمة، ومشيمة الآدميَّة، أفهمت عبارة النَّوويِّ طهارتها.
قال الأسنويُّ المنصوص الَّذي عليه الجمهور النَّجاسة، وما قيس في (التُّحفة) للأسنويِّ.
قوله (أَشْقَى القَوْمِ) وفي بعضها أشقى قومٍ، وهو خلاف الأصل، إذ الواجب في أفعل التَّفضيل عند مفارقة (من) التَّعريف باللَّام أو بالإضافة.
إن قلتَ هل فرَّق في المعنى بين إضافته إلى المعرفة والنَّكرة؛ قلتُ الفرق بالتَّعريف والتَّخصيص ظاهرٌ، وأيضًا النَّكرة لها شيوعٌ، فيكون معناه أشقى قومٍ أيَّ قومٍ كان من الأقوام؛ يَعْني أشقى كلِّ قومٍ مِن أقوام الدُّنيا، ففيه مُبَالغةٌ ليست في المعرفة؛ قاله الكرمانيُّ، وقال البرماويُّ قلتُ في جميع مَا قاله نظرٌ ظاهرٌ، انتهى.
قوله (لَوْ) جزاؤها محذوفٌ؛ أي لو كان لي قوَّةٌ أو عشيرةٌ بمكَّة يمنعونهم منِّي؛ لأغنيتُ وكفيتُ شرَّهم، أو غيَّرتُ فعلهم، أو (لو) هو للتَّمنِّي، فلا يحتاج إلى الجزاء.
و (المنَعة) بفتح النُّون على الصَّحيح؛ هو القوَّة، أو جمع مانع كـ (كَتَبَة وكاتب) .
قوله (ثَلَاثًا) هو متعلِّقٌ بـ (قال) .
قوله (يُرَوْنَ) بضمِّ الياء على الرِّواية المشهورة.
و (مُسْتَجَابَة) أي مجابة، يُقال استجاب وأجاب بمعنى واحدٍ، بمعنى ما كان اعتقادهم إجابة الدَّعوة من جهة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، بل من جهةِ المكان.
قوله (سَمَّى) أي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ففصَّل ما أراد بذلك المجمل.
قوله (وَعَدَّ السَّابِعَ) فاعل (عدَّ) رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أو عبد الله، وفاعل (لَمْ نَحْفَظْهُ) عبد الله أو عمرو بن مَيْمون، وفي بعضها فلم (نحفظه) بصيغة التَّكلُّم.
وقال في (كتاب الجهاد) قال أبو إسحاق ونسيتُ السَّابع.
إشارة (الوَلِيْدُ بْنُ عُتْبَةَ) بالتَّاء، وفي «مسلم» عُقْبة بالقاف، واتَّفق الحفَّاظ على أنَّه غلطٌ.
فائدة (يُحِيْلُ) ينسب ذلك بعضهم إلى بعض مِن قولك أحلتُ الغريم إذا جعلتَ له أن يتقاضى المال مِن غيرك، وجاء أحال أيضًا بمعنى وثب، وفي روايةٍ أنَّ أهل خيبر أحالوا إلى الحصن؛ أي وثبوا إليه.
إشارة (فَاطِمَة) رُوِيَ لها عن الشَّارع عليه السَّلام ثمانية عشر حديث، وفي «الصَّحيحين» لها حديثٌ واحد.
قوله (بقُرَيْش) أي بإهلاك في قريش، ولا عموم للفظ، إذ بعضهم كانوا يومئذ مسلمين، ولئن سلَّمنا؛ فهو بخصوص الكفَّار منهم، بل ببعض الكفَّار، وهم أبو جَهْل وأصحابه بقرينة القصَّة.
قوله (الَّذِيْنَ عَدَّ) حَذَف العائد؛ أي عدَّهم، وفي بعضها (الَّذي) مفرد، أو يجوز ذلك، كقوله تعالى {وَخُضْتُمْ كَالَّذِيْ خَاضُوا} [التَّوبة69] .
و (صَرْعَى) جمع صريع، بمعنى المفعول.
قوله (بَدْر) اسم موضع الغزوة مذكَّرًا ومؤنَّثًا.
وقيل بئرٌ كانت لرجل يسمَّى بدرًا، فسُمِّيَت باسمه؛ كذا قاله الكرمانيُّ، وهكذا قاله السُّهيليُّ في «روضه» ، ورأيته في «الزَّهر الباسم» قال سُمِّيَت بدرًا؛ لاستدارتها كالبدر، وقيل بل لصفائها ورؤية البدر فيها، وعن الشَّعبيِّ كانت لرجل من جهينة اسمه بَدْر.
قال الواقديُّ فذكرتُ ذلك لعبد الله بن جَعْفر ومحمَّد بن صالح
ج 1 ص 185
فأنكراه، وقالا لأيِّ شيء سُمِّيَت الصغرى إلى أن قال إنَّما هو اسم الموضع.
قال وذكرتُ ذلك ليحيى ابن النعمان الغفاريِّ، فقال سمعتُ شيوخنا مِنْ غفار يقولون هو ماؤنا ومنزلنا، وما ملكه أحدٌ اسمه بدر، وإنَّما هو من بلاد جُهينة، أنَّما هو من بلاد غفار.
قال الواقديُّ وهو المعروف عندنا.
خاتمة
السَّابع هو عمارة بن الوليد، قال الكرمانيُّ واعترض بعضهم بأنَّ عمارة كان عند النَّجاشيِّ، فاتَّهمه في حرمة، وكان جميلًا، فنفخ في إحليله سحرًا فهام مع الوحش في بعض جزائر الحبشة حتَّى هلك ثمَّة.
وأجيب أنَّ المرادَ رأى أكثرهم، بدليل أنَّ ابن أبي مُعيط لم يُقتَل ببدر، بل حُمِل منها أسيرًا، و قتله عليه السَّلام بعد انصرافه من بدرٍ على ثلاثة أميالٍ ممَّا يلي المدينة.
إن قلتَ مَا وجه دلالته على التَّرجمة؛ قلتُ استمراره في الصَّلاة مع وجود النَّجاسة.
قال القاضي إنَّه ليس بنجسٍ؛ لأنَّ الفرث ورطوبة البدن طاهران، والسَّلى من ذلك.
قال النَّوويُّ وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ روث ما يُؤكَل لحمه ليس بطاهرٍ عندنا،، ثمَّ إنَّه يتضمَّن النَّجاسة من حيث أنَّه لا ينفك من الدَّم في العادة، ولأنَّه ذبيحة عبدة الأوثان فهو نجسٌ.
والجواب فذكر ما ذكرناه أوَّلًا في التَّنْبيه، وقال الكرمانيُّ بعد إيراد كلام النَّوويِّ أقول هذا قبل تحريم ذبائح أهل الأوثان وقليل الدَّم الَّذي لا ينفك منه عادةً معفو، انتهى.
ولنذكر حكاية عمارة بن الوليد قال السُّهيليُّ رحمه الله تعالى مَا أكثر فوائده في «روضه» في إرسال قريش إلى النَّجاشيِّ في أمر أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
ذكر ابن إسحاق وإنَّهم أرسلوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة، وأهدوا معهما هدايا إلى النَّجاشيِّ وعبد الله، هذا كان اسمه (بحيرا) فسمَّاه عليه السَّلام حين أسلم (عبد الله) ، وكان معهما في ذلك السَّفر عمارة، وكان من أجمل النَّاس، فذكر أصحاب الأخبار أنَّهم أرسلوه مع عمرو بن العاص إلى النَّجاشيِّ، ولم يذكره ابن إسحاق في رواية ابن هشام.
وذكر حديثه مع عمرو في رواية يونسَ، ولكن في غير هذه القصَّة المذكورة ههنا، ولعلَّ إرسالهم إيَّاه مع عمرو كان في المرَّة الأخرى الَّتي سيأتي ذكرها في السِّيرة عند حديث إسلام عمرو، وممَّن ذكر حديث قصَّة عمارة بطولها أبو الفرج الأصبهانيِّ، وذكر أنَّ عمروًا سافر بامرأته، فلمَّا ركبوا البحرَ، وكان عمارة قد هَوي امرأة عمرو وهوته؛ فعزما على دفع عمرو، أو كان ذلك من عمارة من غير قصد فدفع عمروًا فسقط في البحر فسبح عمروٌ ونادى أصحاب السَّفينة، فأخذوه ورفعوه إلى السَّفينة، فأضمرها عمرو في نفسه ولم يُبْدها لعمارة، بل قال لامرأته فيما ذكر أبو الفرج قبِّلي ابن عمَّك عمارة لتطيب بذلك نفسه، فلمَّا أتيا أرض الحبشة؛ مكر به عمرو، وقال وإنِّي قد كتبتُ إلى بني سهم ليبرؤوا من دمي لك، فاكتب أنت لبني مخزوم ليبرؤوا من دمك لي، حتَّى تعلم قريش أنَّا قد تصافينا.
فلمَّا كتب عمارة إلى بني مخزومٍ وتبرَّؤوا من دمه لبني سهم، قال شيخٌ من قريش قُتِلَ عمارة والله، وعلم أنَّه مَكْرٌ من عَمرو.
وثمَّ أخذ عمرو يحرِّض عمارةَ على التَّعرض لامرأة النَّجاشيِّ، وقال أنت امرؤٌ جميل، وهنَّ النِّساء يحببن الجمال من الرِّجال فلعلَّها أن تشفع لنا عند الملك في قضاء حاجتنا، ففعل عمارة، فلمَّا رأى عمرو ذلك وتكرَّر عمارة على امرأةِ الملك ورأى إنابتها إليه؛ أتى الملك منتصحًا، وجاءه بأمارة عرفها الملك، قد كان عمارة أطلع عمرًا عليها،
ج 1 ص 186
فأدركته غيرة الملوك، وقال لولا أنَّه جاري؛ لقتلته، ولكن سأفعل به ما هو شرٌّ من القتل.
فدعا بالسَّواحر، فأمرهنَّ أن يسحرنه، فنفخن في إحليله نفخةً طار منها هائمًا على وجهه حتَّى لحق بالوحوش في الجبال، وكان يرى آدميًّا فينفر منه، وكان ذلك آخر العَهْد به إلى زمن عمر بن الخطَّابِ رضي الله تعالى عنه، فجاء ابن عمِّه عبد الله إلى عمر واستأذنه في السَّير إليه، لعلَّه يجده، فأذن له عمر، فسار عبد الله إلى أرض الحبشة فأكثر النشدة عنه والفحص عن أمره، فأُخبِر أنَّه في جبل يرد مع الوحش إذا ورَدت، ويَصْدُر معها [1] إذا صدرت، فسار إليه حتَّى كمن له في طريقه إلى الماء، فإذا هو قد غطَّاه شعره، وطالت أظفاره وتمزَّقت عنه ثيابه حتَّى كأنَّه شيطان، فقبض عليه عبد الله وجعل يذكِّره بالرَّحم ويستعطفه وهو ينتفض منه ويقول أرسلني يا بحير أرسلني بحير وأبى عبد الله أن يرسله حتَّى مات بين يديه، انتهى.
وقال مغلطاي في كتابه «الزَّهر الباسم» يخدش فيه أنَّ الحرائر لم يكنَّ يتزيَّنَّ، ثمَّ قال وإنَّما راسل عمارة جارية عمروٍ، كذا ذكره محمَّد بن أسعد في كتاب «الدُّرِّ المنظوم» في أخبار بني مخزوم، انتهى.
وقال البغويُّ في سيرته وقال عمرو يخاطب عمارة
~إذا المرء لم يترك طعامًا يحبُّه ولم ينه قلبًا فارغًا حيث يمَّما
~قضى وطرًا منه وغادر سبَّةً إذا ذُكِرَت أمثالها تملأ الفما
[1] في الأصل (معنا) .