216 -قوله (أَوْ مَكَّةَ) إنَّما عرَّف المدينة باللَّام ولم يُعرِّف مكَّة؛ لأنَّ مكَّة علمٌ، و (مدينة) اسم جنسٍ، فجيء باللَّام ليكون مَعْهودًا عن مدينة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
إن قلتَ فابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما كان عند الهجرة ابن ثلاث سنين، فكيف ضَبَط مَا وَقَع بمكَّة؛ قلتُ إمَّا أنَّه وقع بعد مراجعة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى مكَّة سنة الفتح أو سنة الحجِّ، وإمَّا أنَّه سمع من النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ذلك، وإمَّا أنَّه من باب مراسيل الصَّحابة، انتهى كلام الكرمانيِّ.
أقول وكذا ذكره هنا على الشَّكِّ، وذكره في (كتاب الأدب) على الصَّواب.
وابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما سمع من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم روى له البخاريُّ في (بابٌ كيف الحشر) ، وعقَّبه سُفْيان _وهو ابن عُيينة_ بقوله هذا، فما يُعَدُّ أنَّ ابن عبَّاسٍ سمعه من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، انتهى.
وقال الغزاليُّ في «المُسْتصفى» إنَّه لم يسمع إلَّا أربعة أحاديثٍ، وقال غيره له تسعة أحاديث أو عشرة، انتهى.
قوله (فِيْ قُبُوْرِهِمَا) لهما قبران لا قبور، لكن هو كقوله تعالى {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوْبُكُمَا} [التَّحريم4] ، انتهى كلام الكرمانيِّ.
(قُلُوْبُكُمَا) هو من أفصح الكلام حيث أوقع الجمعَ موقعَ المثنى استثقالًا لمجيء تثنيتين لو قيل قلباكما.
وقال تعالى {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة38] أوقع الجمع موقع التَّثنية لأمن اللَّبس؛ لأنَّه مَعْلومٌ أنَّه يقطع من كلِّ سارقٍ يمينه، وقد اشترط النُّحويُّون في وقوع الجمع موقع التَّثنية شروطًا فانظرها من المطوَّلات، انتهى.
قال المالكيُّ في «الشَّواهد» عُلِمَ من إضافة الصَّوت إلى إنسانين جواز إفراد المضاف المثنَّى معنًى إذا كان جزء ما أضيف إليه نحو أكلتُ رأس شاتين، وجمعه أجود كما في (قلوبكما) ، والتَّثنية مع أصالتها قليلة الاستعمال، وإن لم يكن المضاف جزؤه؛ فالأكثر مجيئه بلفظِ التَّثنية نحو سلَّ الزَّيدان سيفيهما، وإن أمن اللَّبس؛ جاز جعل المضاف بلفظ الجمع، وفي (يُعَذَّبَانِ فِيْ قُبُوْرِهِمَا) شاهدٌ عليه.
قوله (فِيْ كَبِيْرٍ) (في) هنا للسَّببيَّة.
قوله (بَلَى) إن قلتَ لفظ (بلى) مختصٌّ بإيجاب النَّفي، فمعناه بل إنّهما يعذَّبان في كبيرٍ، فما وجه التَّلفيق بينه وبين (وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيْرٍ) ؛ قلتُ قال ابنُ بطَّالٍ «وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيْرٍ» يعني عندكم، وهو كبيرٌ عند الله، كقوله تعالى {وَتَحْسَبُوْنَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيْمٌ} [النُّور15] ، انتهى.
وقال في «شرح السُّنَّة» فمعناه إنَّهما يعذَّبان في أمرٍ كان لا يكبر ويشقُّ عليهما الاحتراز عنه، إذ لا مشقَّة في الاستتار عن البول وترك النَّميمة، ولم يُرِد أنَّهما غير كبيرٍ في أمر الدِّين.
وذكر ابن الملقِّن في «شرح العمدة» فيه تسع تأويلات.
فائدة قال النَّوويُّ سبب كونهما كبيرين أنَّ عدم السِّترة من البول يلزم منه بطلان الصَّلاة، وتركها كبيرة بلا شكٍّ.
والمشي بالنَّميمة من أقبح القبائح، لا سيَّما مع قوله صلَّى الله عليه وسلَّم (كَانَ يَمْشِي) بلفظ (كان) الَّتي للحالة المستمرَّة غالبًا.
أقول هذا لا يصح على قاعدة الفقهاء؛ لأنَّهم يقولون الكبيرة هي المُوْجبة للحدِّ، ولا حدَّ على المشي بالنَّميمة، إلَّا أن يُقال الاستمرار المُسْتفاد منه يجعله كبيرة؛ لأنَّ الإصرار على الصَّغيرة حكمه حكم الكبيرة، أوْ لا يريد بالكبيرة معناها الاصطلاحيِّ، انتهى كلام الكرمانيِّ.
اعلم أنَّ للأصحاب في حدِّ الكبيرة وجوهًا
أولًا الكبيرة الموجبة للحدِّ.
ثانيًا ما يلحق صاحبه الوعيد الشَّديد بنصِّ كتابٍ أو سنَّةٍ.
وهذان الوجهان أكثر ما يوجد لهم، وهم إلى ترجيح الأوَّل أميل، ولكنَّ الثَّاني أمثل، فإنَّ أكل الرِّبا ومال اليتيم وقطع الرَّحم والعقوق والسِّحر والنَّميمة وشهادة الزُّور وغيرها من الكبائر لا حدَّ فيها.
ثالثًا كلُّ جريمة تؤذن بقلَّة اكتراث مرتكبها بالدِّين
ج 1 ص 173
ورقَّة الدِّيانة.
رابعًا كلُّ فعل نصَّ الكتاب على تحريمه، وكلُّ مَعْصية تُوْجِب حدًّا.
خامسًا ما يوجبُ الحدَّ أو القتلَ عمدًا بغير حقٍّ، أو شبه عمد.
سادسًا مَا أوجب الحدَّ أو الوعيدَ؛ ذكره في الحاوي.
سابعًا عن الحَليمي كلُّ محرَّم لعينه منهيٌّ عنه لمعنًى في نفسِه.
والتَّحقيق أنَّها كلُّ ذنبٍ قُرِنَ به وعيد أو حد أو لعنٌ أو أشعر بتهاون مرتكبه في دينه إشعارًا صغر الكبائر المنصوص عليها بذلك، انتهى.
قوله (كَانَ لَا يَسْتَتِرُ) لفظ (كان) الثَّاني تأكيدٌ لـ (كان) الأوَّل، أو زائدٌ، ولم يوجد في بعضها.
قوله (لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ) شبَّه لعلَّ بـ (عسى) فأتى بـ (أن) في خبره.
قال المالكيُّ رُوِيَ (يخفِّف عنهما) على التَّوحيد والتَّأنيث، وهو ضمير النَّفس، وجاز إعادة الضَّميرين في (لعلَّه) و (عَنْهُمَا) إلى الميِّت باعتبار كونه إنسانًا وكونه نفسًا.
ويجوز كون الهاء في (لعلَّه) ضمير الشَّأن، وجاز تفسيره بأن وصلتها؛ لأنَّها في حكم جملةٍ؛ لاشتمالها على مسندٍ ومسندٍ إليه، ويجوز أن تكون (أن) زائدة مع كونها ناصبة، كزيادة الباء مع كونها جارَّة.
أقول ويُحتمَل أن يكون الضَّمير مُبْهمًا يفسِره ما بعدَها، ولا يكون ضمير الشَّأن، كقوله تعالى {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} [الجاثية24] .
قوله (إِلَى أَنْ تَيْبَسَا) الضَّمير المستتر فيه راجعٌ إلى (الكسرتين) ، و (تيبسا) بفتح الباء ويجوز الكسر.
خاتمة (ليت) للتَّمنِّي، و (لعلَّ) للتَّرجِّي والإشفاق، والفرق بين التَّرجِّي والتَّمنِّي أنَّ التَّمنِّي يكون في التَّمكُّن نحو ليت زيدًا قائمٌ، وفي غير التَّمكُّن، نحو ليت الشَّباب يعود، والتَّرجِّي لا يكون إلَّا في الممكن، فلا يقول لعلَّ الشَّباب يعود.
والفرق بين التَّرجِّي والإشفاق أنَّ التَّرجِّي لا يكون إلَّا في المحبوب، نحو لعلَّ الله يَرْحمنا، والإشفاق في المَكْروه، نحو لعلَّ العدوَّ يقدم.
والغرس كان عند الرَّأس.
واتَّفقت هذه القصَّة أيضًا له عليه السَّلام في غزوة بواط كما رواه مسلمٌ في آخره، و (بواط) بضمِّ الباء وفتحها.
قال ابن بطَّال معناه لا يستتر لا يَسْتر جسدَهُ ولا ثيابَه من مماسَّة البول، ولمَّا عُذِّب على استخفافه بغسلهِ والتَّحرُّز منه؛ دلَّ أنَّه من ترك البول في مخرجه ولم يغسله أنَّه حقيقٌ بالعذاب.
وروى غير البخاريِّ (لا يَسْتبرئ) أي لا يَسْتفرغ البولَ جهدَه بعدَ فراغه منه، فيخرج منه بعد وضوئه.
النَّوويُّ قال العلماء هو محمولٌ على أنَّه عليه السَّلام سأل الشَّفاعة لهما؛ فأُجيبَتْ شفاعته بالتَّخفيف عنهما إلى أن يَيْبسا.
وقيل يُحتمَل أنَّه عليه السَّلام يَدْعو لهما تلك المدَّة.
وقيل لكونهما يسبِّحان مَا داما رَطْبين، وليس اليابس يسبِّح، قالوا في قوله تعالى {وَإِن مِّنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء44] معناه وإن من شيء حيٍّ، ثمَّ حياة كلِّ شيء بحسبه، فحياة الخشب ما لم ييبس، وحياة الحجر ما لم يُقْطَع.
وذهب المحقِّقون إلى أنَّه على عمومه، ثمَّ اختلفوا هل يسبِّح حقيقة أم فيه دلالة على الصَّانع؟ فيكون مسبحًا منزَّهًا بصورة حاله.
وأهل التَّحقيق على أنَّه يسبِّح بالحقيقة.
وإذا كان العَقْل لا يحيل جعل التَّمييز فيهَا وجاء النَّصُّ به، وَجَبَ المصير إليه.
الخطَّابيُّ لعلّه يخفِّف ذلك من ناحية التَّبرك بأثر النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ودعائه بالتَّخفيف عنهمَا،
ج 1 ص 174
فكأنَّه عليه السَّلام جَعَل مدَّةَ بقاء النَّداوة فيهمَا حدًّا لما وقعت له المسألة من تخفيف العذاب عنهمَا، وليس ذلك من أجل أنَّ في الرَّطبِ معنًى ليس في اليابس.
والعامَّة تفرش الخوص في قبور موتاهم، وأراهم ذَهَبوا إلى هذا، وليس لما تعاطوه من ذلك وجه ألبتَّةَ، واللهُ تعالى أعلمُ.