فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 6723

18 -إشارة (عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ) هو أوَّل من ولي قضاء فلسطين، مدفون ببيت المقدس، وقبره فيهَا معروف، وقيل تُوُفِّيَ بالرَّملة.

فائدة إنَّما خصَّص بدرًا بالذِّكر؛ لشرف غزوة بدر وفضلها على سائر الغزوات.

قوله (وَحَوْلَهُ) يقال حَوْلَهُ، وحولَيه، وحوالَيه بفتح اللَّلام في كلِّها لأي محيطون.

قوله (عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) (العِصابة) الجماعة من النَّاس، لا واحد لها، وهو ما بين العشرة إلى الأربعين، وأخذ إمَّا من العصب الذي بمعنى الشَّدِّ، كأنَّه يشدُّ بعضهم بعضًا، ومنه (العصابة) ؛ أي الخرقة الَّتي تُشَدُّ على الجبيرة، ومنه (العَصَبُ) ؛ لأنَّه يشدُّ الأعضاء، وإمَّا من العَصَبِ الَّذي بمعنى الإحاطة يُقال عصب فلان بفلان؛ إذا أحاط به.

و (عِصَابَةٌ) مبتدأ، و (حَوْلَهُ) نصبٌ على الظَّرفيَّة؛ خبره، وهذه الجملة محلُّها نصب على الحال.

فائدة المبايعة على الإسلام عبارة عن المعاقدة والمعاهدة عليه، سُمِّيَت بذلك تشبيهًا بالمعاوضة الماليَّة؛ كأنَّ كلَّ واحد منهما يبيع ما عنده من صاحبه، فمن طرف الشَّارع مثلًا وعد الثَّواب، ومن طرفهم التزام الطَّاعة، وقد تُعرَف بأنَّها عقد الإمام العهد بما يأمر النَّاس.

قوله (لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا) أي وحَّدوه هذا هو أصلُ الإيمان وأساسُ الإسلام؛ فلهذا قدَّمه على أخواته، (شيئًا) عام لأنَّه نكرة في سياق النهي لأنَّه كالنفي.

قوله (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ) إن قلت قتل غير الأولاد أيضًا منهيٌّ عنه إذا كان بغير حقٍّ، فتخصيصه بالذِّكر مشعر بأنَّ غيره ليس منهيًّا.

قلتُ هذا مفهوم اللَّقب، وهو مردود على أنَّه كان من باب المفهومات المعتبرة المقبولة، فلا حكم له ههنا؛ لأنَّ اعتبار جميع المفاهيم إنَّما هو إذا لم يكن خارجًا مخرج الأغلب، وههنا هو كذلك؛ لأنَّهم كانوا يقتلون الأولاد غالبًا خشية الإملاق، فخصَّص الأولاد بالذِّكر؛ لأنَّ الغالب كان ذلك.

قال الأصفهانيُّ خصَّ القتل بالأولاد؛ لمعنيَيْن

أحدهما أنَّ قتلهم هذا أكبر من قتل غيرهم، وهو المراد، وهو أشنع القَتْلِ.

ثانيهمَا أنَّه قتلٌ وقطيعةُ [1] رَحِمٍ، فَصَرْفُ العناية إليه أكثر، انتهى.

ورأيتُ في كتاب ابن أبي جمرة بالميم، وسمعتُ من والدي رحمه الله تعالى يقول قال ابن الملقِّن أنَّه بالباء، إنَّما نصَّ عليه السَّلام على هذه الثَّلاثة، وهي السَّرقة والزِّنا وقتل الأولاد لشناعتها وقبحها؛ لأنَّها من الكبائر بإجماع.

ولقائل أن يقول لم خصَّ عليه السَّلام بالقتلِ البنينَ دون غيرهم، وقد جاء النَّهي عن القتل مطلقًا ولم يفرِّق فيه بين الصَّغير والكبير؟

والجواب من وجوه الأوَّل أنَّ العرب كانت تتهاون بقتل الأولاد، كما ذُكِرَ في الموؤودة وغيرها.

فخصَّص عليه السَّلام ذكرهم تأكيدًا في شأنهم حتَّى لا يفعلوا ذلك، وإنَّ الصَّغير لا يدفع عن نفسه، فازداد لذلك التَّحريض في حقِّه أنَّه قد يحمل بعض النَّاس فله ذات العدِّ إلى مثل الولد.

وقد نصَّ عزَّ وجلَّ على ذلك في كتابه، فقال {وَلَا تَقْتُلُوْا أَوْلَادَكُمْ مِّنْ إِمْلَاقٍ} [الأنعام151] فنهى عن ذلك تأكيدًا في حقِّ الأولاد، ولكن يعلم أنَّ الله هو الَّذي يرزق الصَّغير والكبير، فلا تتعلَّق بهم.

قوله (وَلَا يَأْتُوا بِبُهْتَانٍ يَفْتَرُوْنَهُ) بمعنى الإطناب، حيث قيل يأتوا به.

(البُهْتَان) الكذب الَّذي يبهت سامعه؛ أي يدهشه لفظاعته.

و (الافتراء) الاختلاف.

إن قلت وصف البهتان بالافتراء، أو الافتراء بالبهتان من وادٍ واحدٍ، وزِيدَ عليه (بين أيديكم وأرجلكم) وهلَّا اقتصر على ولا تبهتوا النَّاس؟

قلتُ معناه مزيد التَّقرير وتصوُّر شناعة هذا الفعل.

فإن قلت فما معنى إضافته إلى الأيدي والأرجل؟

قلتُ معناه لا تأتوا ببهتان من قِبَلِ أنفسكم واليد والرِّجل كنايتان عن الذَّات؛ لأنَّ معظم الأفعال تقع بهما، وقد يُعاقب الرَّجل بجناية قوليَّة؛ فيُقال له هذا بما كسبت يداك.

أو معناه لا تنشئوه من ضمائركم؛ لأنَّ المفتري إذا أرد اختلاق قول؛ فإنَّه يقدِّره ويقرِّره أولًا في ضميره، ومنشأ ذلك ما بين الأيدي والأرجل مِنَ الإنسان، وهو القلب، والأوَّل كناية عن إلقاء البهتان من تلقاء أنفسهم، والثَّاني عن إنشاء البهتان من دخيلة قلوبهم مبنيًّا على الغِشِّ المبطَّن.

الخطَّابيُّ معناه لا تبهتوا النَّاس بالمصائب كفاحًا ومواجهةً وهذا كما يقول الرَّجل فعلت هذا بين يديك؛ أي بحضرتك.

التَّيميُّ هذا غير صواب، من حيث أنَّ العرب وإن قالت فعلته بين أيدي القوم؛ أي بحضرتهم؛ لم تقل فعلته بين أيديهم وأرجلهم، ولم يُنْقل هذا عنهم ألبتَّة.

أقول هو صواب، إذ ليس المذكور الأرجل فقط، بل المراد الأيدي، وذكر الأرجل تأكيدًا له وتابعًا لذلك، فالمخطئ مخطئ، وهو كناية عن الوقاحة وخرق جلباب الحياء كما هو دأب السَّفَلة من النَّاس، ولذلك قيل هو أشدُّ البَهْتِ.

قوله (وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ) وهو نحو قوله {وَلَا يَعْصِيْنَكَ فِيْ مَعْرُوْفٍ} [الممتحنة12] ؛ أي طاعة الله، وقيل في كلِّ برٍّ وتقوى.

قال الزَّجَّاج والمعنى لا يعصينك في جميع مَا تأمر به، فإنَّك لا تأمر بغير المعروف.

الكرمانيُّ أي حَسَنٌ، وَهُوَ ما لم ينه الشَّارع عنه، أو مَشْهور؛ أي ما عُرِفَ فعله من الشَّرِّ وأشهر منه.

البيضاويُّ ما عُرِف من الشَّارع حُسْنه.

الزَّجَّاج أي المأمور به، وقيل الطَّاعة «النهاية» هو اسم جامع لكلِّ ما عُرِفَ في طاعة الله تعالى، والإحسان إلى النَّاس، وكلُّ ما ندب إليه الشَّرع ونهى عنه من المحسِّنات والمقبِّحات.

ج 1 ص 39

قال النَّوويُّ ويُحتمَل في معنى الحديث (ولا تَعْصونِ ولا أحدٌ ممَّا وُلِّيَ عليكم من أتباعي إذا أُمِرتُم بمعروف، فيكون التقييد بالمعروف عائدًا إلى التُّبَّاع [2] ، ولهذا قال(تعصوا) ولم يقل (تعصوني) ويُحتمَل أنَّه أراد نفسه فقط، وقيَّد بالمعروف تطييبا لنفسهم؛ لأنَّه عليه السَّلام لا يأمر بغير المَعْروف.

إن قلت لم لا ذكر الاتيان بالواجبات، واقتصر على ترك المنهيَّات؟

قلتُ لم يقتصر حيث قال ولا يعصوا في معروف، إذ العصيان مخالفة الأمر، أو اقتصر لأنَّ هذه المبايعة كانت في أوائل البِعْثة، ولم تُشْرَع الأفعال بعد.

إن قلت لم قدَّم ترك سائر المنهيَّات على فعل المأمورات؟

قلتُ لأنَّ التَّخلِّي عن الرَّذائل مقدَّم على التَّحلِّي بالفضائل.

إن قلت لم ترك سائر المنهيَّات ولم يقل مثلًا ولا تقربوا مال اليتيم وغير ذلك؟

قلتُ إمَّا لأنَّه في ذلك الوقت لم يكن [3] حرامٌ آخر، أو اكتفى بالبعض ليُقاس الباقي عليه، أو لزيادة الاهتمام بالمَذْكوراتِ.

قوله (وَفَى) بالتَّخفيف والتَّشديد؛ أي ثَبَتَ على ما بايع عليه.

قوله (فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) إن قلت لفظ (الأجر) مُشْعِر بأنَّ الثَّوابَ إنَّما هو مُسْتحقٌّ كما هو مذهب المعتزلة لا مجرَّد فضل كما هو مذهب أهل السُّنَّة.

وكذا لفظ (عَلَى اللهِ) سبحانه، ظاهر في وجوب الأجر والثَّواب على الله سبحانه، كما هو معتقدُ أهلِ الاعتزال القائلين بوجوب الثَّواب للمطيع.

قلت إطلاقًا الأجر؛ لأنَّه مُشَابه للأجر صورةً لترتُّبِهِ عليه، ونحوه ولفظة (على) إنَّما هو للمبالغة في تحقُّق وقوعه كالواجبات، ومحصِّله أنَّ اللَّفظين محمولان على خلاف الظَّاهر؛ لأنَّ الدَّلائل العقليَّة والنُّصوص الشَّرعيَّة دالَّة على أنَّه فضل، وعلى أنَّه غير واجب على الله تعالى، وآخر الحديث يدلُّ عليه أيضًا.

إذ قوله (فَهُوَ إلى الله) إشارة إلى أنَّه لا يجب عليه عقاب عاصٍ، وإذا لم يجب عليه هذا؛ لا يجب عليه ثواب مُطيع إذ لا قائل بالفضل.

قوله (مَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) (من) هي التَّبعيضيَّة، و (شيئًا) عامٌّ؛ لأنَّه نكرة في سياق الشَّرط.

صرَّح ابن الحاجب بأنَّه كالنفي في إفادة العموم فنكرة وقعت في سياقه.

و (مِنْ ذَلِكَ) حال من (شيئًا) .

إن قلت هذا لا يصحُّ في الشِّرك، إذ لا يسقط العذاب في الآخرة عنه بعقوبته عليه في الدُّنيا بالقتل وغيره، ولا يصير كفَّارةً له، ولا يعفو الله عنه قطعًا إن مات على الشِّرك.

قلتُ عموم الحديث مخصوص بقوله تعالى {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النِّساء48] ، وبالإجماع أو لفظ ذلك إشارة إلى غير الشِّرك، بقرينة السَّتر، فإنَّه يَسْتقيم في الأفعال الَّتي يمكن إظهارها وإخفاؤها.

وأمَّا الشِّرك؛ أي الكفر؛ فهو من الأمور الباطنة، فإنَّه ضدُّ الإيمان، وهو التَّصديق القلبيُّ على الأصحِّ، انتهى.

ولم لا يجوز أن يقال أنَّ هذا فيما إذا راجع الإسلام قُتِلَ عند من يقول إنَّ إسلامه لا يعصمه منه.

قال الطَّيبيُّ قالوا المراد منه المؤمنون خاصَّة؛ لأنَّه معطوف على قوله (فمن وفى) وهو خاصٌّ بهم؛ لقوله (منكم) ، وتقديره ومن أصاب منكم أيُّها المؤمنون من ذلك شيئًا؛ فعُوقب به في الدُّنيا؛ أي أُقيم الحدُّ

ج 1 ص 40

عليه لم يكن له عقوبة لأجل ذلك في القيامة وهو ضعيف؛ لأنَّ الفاء في (فمن) لترتيب مَا بعدها على مَا قبلها، الضَّمير في (منكم) للعصابة المعهودة فكيفن يخصِّص الشِّرك بالغير، فالصَّحيح أنَّ المراد بالشِّرك الرياء؛ لأنَّه الشِّرك الخفيُّ.

قال تعالى {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف110] ، أو يدلُّ عليه تنكير (شيئًا) ؛ أي شركًا أيًّا ما كان.

وأقول عُرْفُ الشَّارع يقتضي لفظ الشِّرك عند الإطلاق، يُحمَل على مقابلة التَّوحيد، سيَّما في أوائل البعثة، وكثرة عبادة الأصنام.

فائدة في هذا الحديث دلالة لمذهب الأكثرين أنَّ الحدود كفَّارات لأهلها، ومنهم من وَقَف لحديث أبي هريرة رواه الحاكم، ثمَّ قال على شرطهما ولم يتعقَّب الذَّهبيُّ أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام، قال لا أدري للحدود كفَّارات، وحديث عبادة أصحُّ إسنادًا.

قال عياض ويمكن أن يكون حديث أبي هريرة قبل أن يُعلَمَ، ثمَّ أُعلِم، وفيه وفيه وقفةٌ إذ حديث عبادة ليلة العقبة الثَّانية، وأبو هريرة أسلم في خيبرَ.

أو يُقال إنَّ حديث أبي هريرة الأوَّل سمعه من صحابيٍّ آخر، وذلك الصَّحابيُّ متقدِّم الصُّحبة.

تنبيه حديث «الحدود كفَّارة» كأنَّ هذا إذا تاب؛ لأنَّ مقتضى كلامهم أنَّ مَا توقَّف من المعاصي على حدٍّ واستُوفِيَ لا يكفي، بل لا بدَّ معه من التَّوبة، وبه صرَّح البَيْهقيُّ في «الشُّعَب» بدليل قوله صلَّى الله عليه وسلَّم للسَّارق حين قُطِعَت يده «تُبْ إلى الله تعالى» فقال أتوب إلى الله.

وصرَّح النَّوويُّ والعبَّاديُّ بأنَّ الاستيفاء مُسقِطٌ للإثم وللطَّلب في الآخرة وفضيلة عدم الاحتياج للتَّوبة، والأشبه التَّفضيل بين من سلَّم نفسه امتثالًا لأمره تعالى، يُقال فيكون ذلك توبة أو قهرًا، فلا يَبْعد تنزيل الأحاديث على ذلك.

خاتمة قال الطَّيبيُّ في هذا الحديث إشارة إلى أنَّه لا يجوز الشَّهادة بالجنَّة والنَّار لأحد بعينه، إلَّا من ورد فيه النَّصُّ كالعشرة المبشَّرة وغيرهم رضي الله تعالى عنهم.

[1] في الأصل (قطعية) .

[2] في هامش الأصل من نسخة (الاتباع) .

[3] في الأصل تحتها (كان تامة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت