فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 6723

185 -قال ابن التِّين قرأناه غير مهموزٍ، وَضُبِطَ في بعضِ الكُتُبِ بالهمزِ وضمِّ الياء على أنَّه رباعيٌّ من (إجزاء) ، ومرادُه بحديث ابن زيد الَّذي ساقه بعدَه، وفاحتجَّ أنَّ على عدم الإجزاء.

قوله (إِلَى المِرْفَقَيْنِ) إن قلتَ حكم ما بعد (إلى) مخالفٌ لما قَبلها، فلا يجب غسل المرفق؛ قلتُ صرَّح أهل العربيَّة بعدم وجوب المخالفة، ثمَّ مَن أوجب غسل المرافق إنَّما أوجبه للاحتياط.

إن قلتَ لم ذكر في المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه لفظ (ثلاثًا ثلاثًا) وفي غسل اليد (مرَّتين) ولم يذكر في المسح وغسل الرِّجل العدد أصلًا؛ قلتُ إشعارًا بجواز الأمور كلِّها، وأقلُّ ما يؤدَّى به الغَرض هو المرَّة، إذ به يحصل الامتثال.

والتَّثليث هو الأكمل، والتَّثنية متوسِّطةٌ بين الأقلِّ والأكمل، وبالبيان بالقول أوقع في النُّفوس وأبعد من التَّأويل.

إشارة (المِرْفَقْ) بفتح الميم وكسر الفاء، وبكسر الميم وفتح الفاء موصل الذِّراع بالعضد.

تَنْبيه مَيْل البخاريِّ إلى وجوب الاستيعابِ حيث جعل ظاهر القرآن دالًّا عليه في ترجمةِ الباب.

وقال البغويُّ القرآن يوجب مسح الجميع، والسُّنَّة خصَّته بقدر النَّاصية، فلا يسقط الفرض بأقلَّ من قدر النَّاصية.

أقول لا نسلِّم دلالة الآية على الاستيعاب، بل تدلُّ على عَدَم الاستيعابِ، وتَتَبع كلام العَرب يَشْهد لذلك، ثمَّ السُّنَّة مَا خصَّته بقدرها لحديث

ج 1 ص 161

عبد الله، انتهى.

واعلم أنَّ الباء إذا دخلت على اللَّازم تعدَّى، وعلى المتعدِّي يجري لما عُلِم من الفرق بين مسحتُ المنديل ومسحتُ بالمنديل.

وأعترض عليه بأنَّه لم يثبت ذلك، وقال تعالى {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيْقِ} [الحج29] ، والطَّواف لا يصحُّ بالبعض، وفيه مجالٌ للمناقشة.

وممَّا استدلَّ به على عدَم وجوب الاستيعاب حديث المغيرة أنَّه مَسَح بناصيته وعلى عمامته، وأجاب ابن القصَّار عنه بأنَّه يحتمل أيضًا إرادة الكلِّ، كقوله تعالى {فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِيْ وَالأَقْدَامِ} [الرَّحمن41] ، فإنَّها هنا الرُّؤس، ولا يراد بَعْضها.

إن قلتَ صيغة الأمر بمسح الرَّأس والوجه في التَّيمُّم واحدة، فهلَّا أوجبتم التَّعميم؛ قلتُ المَسْح في التَّيمُّم بدلٌ لأجل الضَّرورة، وهنا أصلٌ، وسيأتي كلام الكرمانيِّ.

فائدة قال ابن بطَّال (ثُمَّ) في جميع الحديث لم يرد بهَا المُهْملة، وإنَّما أراد بها الإخبار عن صفة الغسل، وهو ههنا بمعنى الواو.

إشارة قوله (بَدَأَ) إلى لفظ (مِنْهُ) بيان لقوله (أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ) ولهذا لم يُدخل الواو عليه.

واعلم أنَّ الحديث لا يتمُّ الاحتجاج به على وجوب مَسْح كلِّ الرَّأس، إذ ليس جميع ما ذُكِرَ فيه واجبًا، وإلَّا؛ لوَجَب المضمضة والاستنشاق.

فإن قلتَ هما واجبتان كما هو مَذْهب بعض الفقهاء؛ قلتُ نحن من وراء النِّزاع منهم، ولئن سلَّمنا؛ فلا يجب التَّغليب فيهما اتِّفاقًا، وكذا في غسل الوجه، وقد قيَّدهما بلفظِ (ثلاثًا) ، وكذا غسل اليدين لا تَثْنية فيه، وقيَّده بهَا.

إن قلتَ المسح بيانٌ لقوله تعالى {وَامْسَحُوا بِرُؤُوْسِكُمْ} [المائدة6] ، والبيانٌ تابعٌ للمبيَّن في الوجوب ونحوه، فالوجوب مستفادٌ من كونه بيانًا، بخلاف التَّثليث والتَّثنية، فعلى هذا يجب الرَّدُّ إلى المكان الَّذي بدأ منه، وهو غير واجبٍ بالاتِّفاق، ثمَّ إنَّ التَّثليث وكذا التَّثنية بيانٌ لقوله {فَاغْسِلُوا وُجُوْهَكُمْ وَأَيْدِيْكُمْ} [المائدة6] ، ثمَّ إنَّه لو كان واجبًا؛ لما جاز الاكتفاء بالمَسْح بالنَّاصية.

وقد ثبت أنَّه مَسَح بناصيته، فالحقُّ أنَّه أمرٌ بإيجادِ مَاهيَّة المَسْح سواءٌ كان في ضمن الجميع أو في ضمن البعض، فيكفي أنَّ مَا ينطلق عليه اسم المسح، وهذا الحديثُ إنَّما ورد في كمال الوضوء لا فيمَا لا بدَّ منه، بدليل الأحاديث الأخر الَّتي لم يُذكَر فيها الإقبال والإدبار، واستدلَّ أيضًا على كفاية مَا يَنْطبق عليه الاسم بما تقدَّم من أنَّ الباء تجزئ كما تقدَّم.

وقال الحنفيَّة الواجب ربع الرَّأس؛ لأنَّ لفظ القرآن يحتمل الكلَّ والبعضَ، والحديث مبيِّن له، والنَّاصية ربعٌ له، وما جاء في حديث عبد الله (فما جاوز النَّاصية) كان على الفضل لا على الوجوب حتَّى لا يتضادَّ الحديثان، وأيضًا القياس على مَسْح الخفِّ مُقْتضي عدم الاستيعاب.

إن قلتَ نحن نقيس على الوجه في التَّيمُّم؛ قلتُ قياس مَسْح الوضوء على مسح الخفِّ أولى وأشبه مِن قياسه على مَسْح التَّيمُّم، فقياسنا أرجح.

ثمَّ إنَّ مسح الوجه في التَّيمُّم بدلٌ من عموم غسله، فلا بدَّ أن يأتي بالمسح على جميع مواضع الغسل منه، ومسح الرَّأس أصلٌ لا بدل ولا قياس مع الفارق.

وأقول لَفْظُ (مَسَحَ) بناصيته يحتمل كلَّ النَّاصية وبعضها، فلا يتعيَّن الرُّبع، ثمَّ يُحتمَل أن يُقال الكلُّ هُوَ الواجبُ، ومَا يقتضي حديث مسح بالنَّاصية

ج 1 ص 162

كان بعذرٍ حتَّى لا يتضادَّ الحديثان، ثمَّ إنَّ الحديث من رواية المغيرة هكذا (مَسَح بناصيته وعلى عمامته) ولمَّا صرف بذلك مسح العمامة؛ عَلِم أنَّه لا تعين للرَّفع، ولا اقتصارَ عليه، وإن كان به عذرٌ.

قال ابن بطَّالٍ الأمَّة مجمعةٌ على أنَّ من مسح كلَّه فهو مؤدٍّ لفرضه.

واختلفوا في مَنْ مَسَح بَعْضه؛ فيجب الاستيعاب أداءً لفرض الوضوء بيقين، وللخصم أن يغلب عليه بأنَّ الأمَّة مجمعةٌ على وجوب الأقلِّ، فإنَّ من قال بالكلِّ قال بالأقلِّ، ومن قال بالأقلِّ قال بالرُّبع قال بالأقلِّ، والزَّائد عليه أصله براءة الذِمَّة منه، فلا يجب إلَّا الأقلَّ الَّذي هو فرض الوضوء بيقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت