17 -إشارة (الأَنْصَارِ) جمع نصير، كشريف وأشراف، أو جمع ناصر، كصاحب وأصحاب.
إن قلت (الأنصار) جمع قلَّة، فلا يكون لما فوق العشرة، ولكنَّهم كانوا أضعاف الآلاف؛ قلتُ القلَّة والكثرة إنَّما اعتُبرتَا في نكرات الجموع، أمَّا في المعارف؛ فلا فرق بينهما.
إن قلت المطابقة تقتضي أن يقابل الإيمان بالكفر، بأن يُقال آية الكفر كذا، فلمَ عَدَل عنه؟
قلتُ البحث في الَّذين ظاهرهم الإيمان، وهذا لبيان ما به تمييز المؤمن الظَّاهريِّ عن المؤمن الحقيقيِّ، فلو قيل آية الكفر بغضهم؛ لا يصحُّ، إذ هو ليس بكافر ظاهرًا.
فإن قلت هل يقتضي ظاهر الحديث أنَّ من لم يحبَّهم
ج 1 ص 37
لا يكون مؤمنًا.
قلتُ لا يقتضي إذ لا يلزم من عدم العلامة عدم مَا له العلامة، أو المراد كمال الإيمان.
إن قلت هل يلزم منه أنَّ من أبغضهم يكون منافقًا، وإن كان مصدِّقًا بقلبه؟
قلتُ المقصود بغضهم من جهة أنَّهم أنصارٌ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا يمكن اجتماعه مع التَّصديق لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
إن قلت هل يُستَفاد الحصر من هذا التَّركيب؟
قلتُ أكثر أهل المعاني على أنَّ المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين؛ ربَّما يفيد الحصر حسب ما يقتضيه العامُّ.
فإن قلت فإذا كان للحصر؛ فهل يحصر المبتدأ على الخبر، أو العكس؟
قلتُ كلاهما نحو (الضَّاحك الكاتب) فإنَّ معناه حصر الضَّاحك على الكاتب والعكس.
إن قلت هل هو حصر حقيقيٌّ أو ادِّعائي؟
قلتُ الظَّاهر أنَّه ادِّعائيٌّ تعظيمًا لحبِّ الأنصار كان للدَّعوى أنَّه لا علامة للإيمان إلَّا حبَّهم، وليس حبُّهم إلَّا علامته، ويؤيِّده ما قد جاء في «مسلم» «آية المؤمن حبُّ الأنصار» بتقديم الآية، و «حبُّ الأنصار آية الإيمان» ، بتقديم الحبِّ.
إن قلت إذا كان حبُّ الأنصار آية الإيمان؛ فبغضهم آية عدمه؛ لأنَّ حكم نقيض الشَّيء يقتضي حكم الشَّيء، فما الفائدة في ذكر (وآية النِّفاق بغض الأنصار) ؟
قلتُ هذا التَّقرير ممنوع، ولئن سلَّمنا؛ فالفائدة في ذكر التَّصريح به والتَّأكيد عليه والمقام يقتضي ذلك؛ لأنَّ المقصود من الحديث الحثُّ على حبِّ الأنصار وبيان فضلهم، لما كان منهم من إعزاز الدِّين وبذل الأموال والأنفس، والإيثار على أنفسهم، والإبرار والنَّصر، وغير ذلك.