فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 6723

16 -تنبيه السختيانيُّ قال الكرمانيُّ كان يبيع السختيان وهو بفتح السِّين الجلد والظَّاهر أنَّه فارسيٌّ، انتهى، أقول بل مثلَّث السِّين.

(ثَلَاثٌ) هو مبتدأ، وليس نكرة صرفة لأنَّ التَّنوين عوض عن المضاف إليه؛ أي ثلاثُ خصالٍ، أو لأنَّه صفةُ موصوفٍ محذوفٍ، وهو مبتدأٌ بالحقيقة؛ أي خصالٌ ثلاثٌ.

قال المالكيُّ _هو شافعيٌّ_ في «شرح التَّسهيل» مثال الابتداء بنكرة هي وصف قولهم

~ ضعيفٌ عَاذَ بقرملة

أي إنسان ضعيف التجأ إلى قرملة؛ أي شجرة ضعيفة [1] .

وأقول لا تمسُّك فيه؛ لاحتمال أن يكون من باب شراهر ذا ناب أو لأنَّ الجملة الشَّرطيَّة صفة والخبر على هذا التَّقدير هو أن يكون إذ على التَّقديرين الأوَّلين الشَّرطيَّة خبر، وأن يكون هو بدل عن ثلاث، أو بيان.

وأمَّا (مَن) فهو مبتدأ، والشَّرط والجزاء معًا خبره، أو الشَّرط فقط، على اختلاف فيه، و (مَن) إمَّا شرطيَّة، وإمَّا موصولة متضمِّنة لمعنى الشَّرط.

و (وَجَدَ) بمعنى أصاب، ولهذا عُدِّيَ إلى مفعول واحد.

فإن قلت لم لأنني (أحب) حتَّى يطابق خبر كان اسمه؟

قلتُ (أفعل) إذا استعمل بـ (من) فهو مفرد مذكَّر لا غير، ولا يجوز المطابقة لمن هو له.

فائدة عبَّر بقوله (مِمَّا سِوَاهُمَا) دون (مَن) لعموم (مَا) .

و (ما سواهما) هو جميع المخلوقات من ملك وشيء وغيرهما.

قوله (وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ) (المرء) مفعول، وفاعله الضَّمير راجع إلى (مَن) .

و (لَا يُحِبَّهُ إِلَّا للهِ) جملة حاليَّة، يحتمل بيانًا لهذا الفاعل أو المفعول أو كليهما معًا.

قوله (يَعُوْدَ فِي الكُفْرِ) إن قلت المشهور عاد إليه معدًّى بكلمة الانتهاء لا بآلة لظَّرف. قلتُ قد ضمَّن فيه معنى الاستقرار، كأنَّه قال يعود مُسْتقرًّا فيه؛ قاله الكرمانيُّ.

وقال غيره معنى (يَعُودَ) يصير، والعَوْدُ الرُّجوع، قد استُعمِلا في معنى الصَّيرورة، قال تعالى {مَا يَكُوْنُ [2] لَنَا أَنْ نَعُوْدَ فِيْهَا} [الأعراف89] .

فائدة إن قلت (الحلاوة) إنَّما هي في المطعومات، والإيمان ليس مطعومًا؛ قلتُ تصرَّف منه بأن شبَّه الإيمان بالعسل ونحوه للجهة الجامعة، ووجه الشَّبه الَّذي بينهما هو الالتذاذ وميل القلب إليه فذكر المشبَّه، وأُضيِفَ إليه مَا هو من خواصِّ المشبَّه به ولوازمه، وهو الحلاوة على سبيل التَّخييل له، ومثله يُسمَّى بالاستعارة بالكناية.

تنبيه قال القاضي البيضاوي المراد بالحبِّ ههنا الحبُّ العَقْليُّ الَّذي هُوَ إيثار مَا يَقْتضي العقل رجحانه، وَيَستدعي اختياره، وإن كان على خلاف الهوى اللَّازم أنَّ المريض يعاف الدَّواء وينفر عن طبعه، ويميل إليه باختياره ويهوى تناوله بمقتضى عقله؛ لمَّا علم أنَّ صلاحه فيه فالمرء لا يؤمن إلَّا إذا تيقَّن

ج 1 ص 36

أنَّ الشَّارع لا يأمر ولا ينهى إلَّا بمَا فيه صلاح عاجله أو خلاص [3] آجله، والعقل يقتضي ترجيح جانبه وكماله بأن تتمرِّن نفسه، بحيث يصير هواه تبعًا لعقله، ويلتذُّ به التذاذًا عقليًّا، إذ اللَّذَّة إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك، وليس بين هذه اللَّذَّة واللَّذَّات الحسِّيَّة نِسْبَةٌ يُعتَدُّ بهَا.

والشَّارع عبَّر عن هذه الحالة بالحلاوة؛ لأنَّها أظهر اللَّذَّات المحسوسة، وإنَّما جعل هذه الأمور الثَّلاثة عنوانًا لكمال الإيمان المحصِّل لتلك اللَّذَّة؛ لأنَّه لا يتمُّ إيمان امرئ حتَّى يتمكَّن في نفسه أنَّ المنعم بالذَّات هو الله سبحانه، ولا مانع ولا مانح سواه، وَمَا عداه وسائط ليس لها في حدِّ ذاتها إضرار ولا إنفاع.

وأنَّ الرَّسول هو العطوف السَّاعي في إصلاح شأنه، وذلك يقتضي أنَّ يتوجَّه بكلِّيَّته نحوه، ولا يحبُّ مَا يحبُّ إلَّا لكونه واسطةً بينه وبينه، وأن يتيقَّن أنَّ جملة مَا أُوعَدَ وَوَعَد حقٌّ تيقُّنًا يُخيَّل إليه الموعود كالواقع، والاشتغال بما يؤول إلى الشَّيء ملابسته به، فيحسب مجالس الذِّكر رياض الجنَّة، وآكل مال اليتيم آكل النَّار، والعَودُ إلى الكفر إلقاء في النَّار.

قال وأمَّا تثنية الضَّمير ههنا فللإيماء إلى أنَّ المُعْتبر هُوَ المَجْموع المركَّبُ من المَحبَّتين، لا كلَّ واحد منهما، فإنَّها وحدها ضائعة لاغية، وأمر بالإفراد في حديث الخطيب إشعارًا بأنَّ كلَّ واحدٍ من العِصْيانَين مستقلٌّ باستلزام الغواية إذ العطف في تقدير التَّكرير، والأصل استقلال كلٍّ من المعطوفين في الحكم.

وقال الأصوليُّون أَمَرَ بالإفراد؛ لأنَّه أشدُّ تَعْظيمًا، والمقام يقتضي ذلك، انتهى.

تنبيه الخطيب المشار إليه في كلام القاضي هو ثابت بن قيس بن شمَّاس، وأجابوا أيضًا بغير ما ذكره القاضي، وهو أنَّ الجامع هو الرَّسول، فيجوز له مَا لا يجوز لغيره، أو أنَّ الطَّاعة والعِصيان حقُّ الله تعالى نظرًا إلى الأصل والحقيقة، ومن حقِّه في ذلك أن يُفرَد بالذِّكر، ثمَّ يذكر الرَّسول بخلاف المحبَّة، أو أنَّ المراد في (الخطب) الإيضاح لا الرُّموز والإشارات، وأمَّاهنا؛ فالمراد الإيجاز في اللَّفظ للحِفظ، وإنَّما أنكر الجمع تعظيمًا لله تعالى أو إنَّما أنكر وقوفه على (ومن يَعْصِهِما) .

لكنَّ قوله (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ) يردُّ ذلك أو أنَّ الجمع يوهم التَّسوية، أو أنَّ كلامه صلَّى الله عليه وسلَّم جملة واحدة، فيُكرَه لغيره إقامة المضمر مُقام المظهر، بخلاف كلام الخطيب، فإنَّه جملتان، أو أنَّ المتكلِّم لا يتوجَّه بحبِّ خطاب نفسه إذا [صار] وجهه لغيره، انتهى.

وأمَّا ما ورد في «أبي داوود» أنَّه عليه السَّلام خَطَبَ وقال «ومن يعصهما» ، فلا ينافي هذا؛ لأنَّه من رواية ابن عياض، وهو مجهول، مع احتمال أن يكون في الأصل بالإفراد، واختصر الرَّاوي، وعلى تقدير الصِحَّة والضَّبط، فالمحذور من الجمع هو إيهامالتَّسوية، وهو منتفٍ في حقِّ المعصوم صلَّى الله عليه وسلَّم.

[1] في الأصل (ضعيف) .

[2] في الأصل (كان) والمثبت موافق للتلاوة.

[3] في هامش الأصل من نسخة (فلح) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت