فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 6723

162 -قوله (إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ) أي (إِذَا أَرَادَ الوُضُوْءَ) ومنه قوله تعالى {فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ} [النَّحل98] أي إذا أردت القراءة.

(فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ) أي ماء، حذف للعلم به، فيؤخذ منه حذف المفعول إذا دلَّ عليه الكلام، وقد ذكر المَفْعول في رواية أخرى.

(مِنْ نَوْمِهِ) في إضافة النَّوم إلى ضمير أحدكم ليخرج [1] نومه عليه السَّلام، فإنَّه تنام عينه دون قلبه.

إشارة معنى (يَجْعَلْ) هنا يلقي، و (يجعل) ستُّ معانٍ

أوجد قال تعالى {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ والنُّورَ} [الأنعام1] فيتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ.

وصيَّر، ومنه قوله جعلتُ البصرة بغداد، فيتعدَّى إلى مفعولين بنفسه.

وألقى ومنه جعلت المتاع بعضه على بعض، فيتعدَّى الأوَّل بنفسه، والثَّاني بحرف الجرِّ.

واعتقَدَ، قال تعالى {وَجَعَلُوا المَلَائِكَةَ} [الزُّخرف19] الآية، فيتعدَّى إلى مفعولين.

وأوجب كقولهم جعلتُ للعامل كذا، فيتعدَّى إلى واحد.

وشرع، ومنه جعل زيد يقول كذا، فيكون من أفعال المقاربة، برفع الاسم ونصب الخبر، إلَّا أنَّ خبره لا يكون إلَّا فعل مضافٌ فيه ضمير يعود على اسمها كما قلناه.

إن قلتَ قوله (أَحَدُكُمْ) يعطي هذا المعنى المذكور؛ قلتُ أجل، لكنَّه جاء على طريق المبالغة والتَّأكيد وربَّما حسَّن أهل علم البيان هذا نظرية، وهو أن يكون المعنى مستقبلًا، فالأوَّل ويؤتى بالثَّاني لما ذُكِرَ إشارة.

قال عليه السَّلام (مِنْ نَوْمِهِ) ومِن المعلوم أنَّ الاستيقاظ لا يكون إلَّا من النَّوم؛ لأنَّ الاستيقاظ لا ينحصر في النَّوم لمشاركته الغفلة والغشية في ذلك الأمر وأنَّه قال استيقظ فلانٌ من غشيته ومن غفلته.

قوله (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ) فيه استعمال الكنايات فيما يُستحى من التَّصريح به، فإنَّه عليه السَّلام قال «لا يدري أين باتت يده» ولم يقل فلعلَّ يده وقعت على دبره أو على ذكره أو على نجاسة أو نحو ذلك وإن كان مرادًا.

فائدة إن قلتَ مَا وجه المناسبة في تخليل هذا الباب بين أبواب الوضوء، ولمَّا كان الاستجمار مقدَّمًا في الوجود على الاستنثار؛ كان المناسب في التَّرتيب تقديمه عليه في وضع الأبواب؛ قلتُ معظم نظر البخاريِّ إلى نقل الحديث وإلى ما يتعلَّق بتصحيحه غير مهتمِّ بتحسين الوضع وتزيين ترتيب الأبواب؛ لأنَّ أمره أسهل؛ قاله الكرمانيُّ.

وقال شيخنا استشكل إدخال هذه التَّرجمة في أثناء أبواب الوضوء، والجواب أنَه لا اختصاص لها بالأشكال، فإنَّ أبواب الاستطابة لم تتميَّز في هذا الباب عن أبواب صفة الوضوء؛ لتلازمهما.

ويُحتمَل أن يكون ذلك من دون المصنِّف، انتهى.

وهذا الاحتمال هو الَّذي يخطر في خلدي.

فائدة فيه دليلٌ على أنَّ الماء القليل إذا وردت عليه النَّجاسة، وإن قلَّت غيَّرت حكمه لأنَّ الَّذي تعلَّق باليد من النَّجاسة من حيث لا يُرى قليلٌ.

وفيه أنَّ القليل الماء إذا ورد على النَّجاسة أزالها، ولا ينجس بها؛ لأنَّ الماء الَّذي أمره عليه السَّلام بصبِّه من الإناء على يده أقلُّ من الماء الَّذي أبقاه في الإناء، وقد حكم الأقلُّ بالطَّهارة والتَّطهير، والأكثر بالنَّجاسة، فدلَّ على الفرق بين الماء، واردًا على النَّجاسة، ومورودًا عليه النَّجاسة.

وفيه أنَّ العمل بالاحتياط في باب العبادات أولى.

قال ابن بطَّال ذهب قومٌ إلى أنَّه واجب في كلِّ نومٍ، وإن أدخلها قبل الغسل؛ نجَّس الماء سواءٌ كان على يده نجاسةٌ أم لا.

قلنا لهم الحديث يدلُّ على الاستحباب؛ لأنَّه عليه السَّلام علَّل بقوله (فإنَّ أحدكم) فأعلمنا أنَّه على طريق الاحتياط، وأنَّه ليس لأجل الحدث باليوم؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لم يحتج إلى الاعتلال؛ لأنَّ قائلًا لو قال اغسل ثوبك فإنَّك لا تدري أيَّ شيءٍ حدث فيه وهل أصابه نجس أم لا؛ لعلم أنَّ ذلك على الاحتياط، انتهى.

وقد قال عليه السَّلام للأعرابيِّ «توضَّأ كما أمرك الله تعالى» حسَّنه التِّرمذيُّ وصحَّحه الحاكم على شرط البخاريِّ ومسلمٍ، وليس فيه غسل اليدين في ابتداء الوضوء.

[1] في الأصل فوقها (اخراج)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت